في جلسة، (ولا أروع وأدسم) جمعتني ظهر السبت بالأستاذ حسن صبرا، عرج بنا الحديث إلى (عبد الهادي ناصف)، بدأ أبو أحمد الكلام، ثم توقف، وغص وبكى.. لا أتذكر مرة من مئات المرات التي جلست فيها مع الأستاذ حسن ، لم يبك فيها إذا ما أتينا على ذكر (ابا عمرو )، ذلك الفارس النبيل الذي لا يذكر إلا بخير.
أتذكر في عام 2006، كان الرئيس إيلي الفرزلي ضيفا في برنامجي (ماذا بعد) على شاشة المنار، وخلال الحوار تحدث الرئيس عن الأهمية الكبرى لدور الصحافة والإعلام، وقال إن مقالا واحدا يمكن أن يبدل حال شعب ومؤسسات، وضرب مثلا بمقال كان الأستاذ محمد حسنين هيكل قد كتبه في (الأهرام) في 12 مارس /آذار/ 1970 بعنوان (تحية إلى الرجال)، والمقصود بالرجال هنا هم الجيش المصري، وتحدث المقال عن صعوبة اجتياز الموانع والعوائق بين الجيش والعدو الصهيوني من قناة السويس وخط بارليف، وساتره الترابي.. وقد تسبب المقال في إصابة الناس والمقاتلين بإحباط شديد، فرد عليه صحافي في جريدة الجمهورية في 18 مارس /آذار/ 1970، بمقال حمل عنوان: (تحية مردودة من الرجال)، وقد أظهر الكاتب عقلية عسكرية استراتيجية تفوق ما يتمتع به هيكل، وكان تأثير المقال بالغ الإيجابية على الشعب والجيش، بيد أن أنور السادات اعتقل صاحبه بعد ثلاثة أشهر.. هنا صرخت فرحا، على الهواء، وقلت للرئيس الفرزلي: (هذا الكاتب هو عبد الهادي ناصف).
عبد الهادي ناصف، هو أبي، وقد سُئلت، ويسألني كثيرون: لماذا لا تكتب كثيرا عن والدك، وهو رمز من الرموز القومية الناصرية، وكان أحد المقربين من الزعيم؟
فأجبت، وأجيب: ببساطة، لأن عقلي، ومداد قلمي، كثيرا ما تُعجزهما الكتابة عن أب مثالي، بدأ حياته النضالية فدائيا جسورا في فلسطين 1948، ويشار إليه كفقيه سياسي، وقيادي عمالي، ومثقف من طراز نادر، ومفكر موسوعي، ومترجم فذ (من وإلى أربع لغات)، لم يختلف عليه أحد، إلا السادات، ومن لف لفه.
عاش سبعا وخمسين سنة، كأنها بعدد آلاف الكتب التي حوتها مكتبته.
ولد أبي في الخامس من فبراير/شباط/ 1927، في قرية (كفر الترعة الجديد)، التابعة لمركز مدينة شربين بالمنصورة، محافظة الدقهلية.
كان أبوه (علي ناصف)، من أعيان القرية، وكان عمدتها، وكانت له كلمة نافذة على أولاده التسعة، فلم يكن لأي منهم الجرأة على مخالفته أو حتى مناقشته، باستثناء (عبد الهادي) الذي بدا متمردا من صغره.
أرسله أبوه إلى القاهرة ليلتحق بمعهد أزهري في منطقة (شبرا)، وليقيم في السيدة زينب، مع أشقائه الملتحقين بالمدارس وبالجامعة.
كان سن أبي آنذاك نحو الثامنة، فقد سافر إلى القاهرة، بعدما قضى في (كُتّاب القرية)، شهورا حفظ خلالها أجزاء من القرآن الكريم.
انبهر عبد الهادي بالعاصمة، لكنه لم ينسجم أبدا في المعهد الأزهري.. فقسوة معاملة المشايخ، وحدتهم، والتقيد بلباس لا يتغير، أوجد حاجزا نفسيا بينه وبين المعهد، فألح كثيرا على أبيه ليتلقى تعليمه في مدرسة عادية أسوة بأشقائه، لكن (العمدة) أصر، ووضع عبد الهادي بين خيارين: إما الأزهر، وإما لا تعليم، وسيبقى في القاهرة لخدمة أشقائه .. وكانت المفاجأة في إصرار عبد الهادي على موقفه، ما تسبب في توقفه عن التعليم.. لكن ذلك لم يكن يشغل بال عبد الهادي الذي كان مرتبطا بأمه ارتباطا شديدا، وكانت تسيطر عليه الرغبة في أن يقنعها بأنه رجل، وبأنه قادر ليس فقط على الاعتماد على نفسه، ولكن أيضا أن يدعمها ماليا.. فكيف لطفل في الثامنة أن يحقق كل ذلك؟
قرر الطفل عبد الهادي أن يعتمد على نفسه، فبدأ رحلة البحث عن عمل يلتزم به، من دون أن يقصر في خدمة أخوته. وبالفعل: وجد عبد الهادي ابن العمدة، وأحد أكبر أعيان البلد، وظيفة (مساعد بواب) في بناية الأميرة شويكار في حي جاردن ستي بالقاهرة، وكانت مهمته هي مراقبة نظام التدفئة المركزية، في مقابل قرش صاغ (عشرة مليمات) يتقاضاه يوميا”.
والمدهش أن عبد الهادي، حرص على ألا ينفق المليمات العشرة كلها.. فكان ينفق نصفها، ويدخر النصف لأمه.
ومن مهنة (مساعد البواب) انتقل عبد الهادي إلى مهنة (بائع حليب)، ثم (صبي كهربائي).. ومع مرور السنوات، كان يراقب تلامذة المدارس، وتزداد لهفته على التعليم.. وهنا حدث ما يشبه المعجزة.
بدأ عبد الهادي في التعرف على عدد من تلامذة الحي، وعقد مع بعضهم اتفاقا يقضي بأن يعيرونه كتبهم في عطلة الصيف.. واشترى عبد الهادي كمية كبيرة من الكراسات، وبدأ ينسخ الكتب، في وقت لم يكن يعرف فيه القراءة والكتابة أصلا.. فكان يقلد ما هو مكتوب بالعربي، وبالانجليزي، حتى أنه أتقن الكتابة باللغتين، وليس في وسعه قراءة كلمة واحدة، وكانت هذه هي المهمة التالية، حيث تعلم أسماء الحروف باللغتين، ونطقها، وتراكيب كلماتها، وما أن شعر بأن في وسعه التعليم، حتى طلب من أخوته أن يتقدموا له بطلب آداء امتحان المرحلة الابتدائيّة كلها في امتحان واحد !!؟ وبالفعل تقدم للامتحان، وكانت مفاجأة الجميع أنه لم ينجح فقط، ولكنه نجح ايضاً بتفوق، واحتل المرتبة السادسة بين الناجحين على مستوى القطر المصري.
سور الأزبكية
سور الأزبكية،علامة من علامات القاهرة، والحي المتواجد فيه، فالسور هو السور المحيط بحديقة الأزبكية، وقد تحول عام 1907 إلى مكان لبيع الكتب المستعملة، و(الأزبكية)، هو اسم الحي، واسم الحديقة الشهيرة هناك، ومأخوذ من اسم (سيف الدين بن أزبك)، ففي نهايات القرن الرابع عشر، وإبان حكم دولة المماليك، أهدى السلطان قايتباى مكافأة لقائد جيوشه من الأتابك (سيف الدين بن أزبك)، قطعة أرض ناحية بركة (بطن البقرة) وكانت حينئذ أرضا جرداء ليس بها سوى ضريحين: (ضريح سيدي عنتر)، وضريح (سيدي وزير)، فأوصل إليها المياه من القناة الناصرية وشيّد على طولها رصيفا من الحجارة ليتخذه الناس ممشى، وأقام أيضًا منتزهًا رائعًا حول البركة حمل اسمه (حديقة الأزبكية)، وأنشأ الجامع الكبير ثم أنشأ حول الجامع البناء والربوع والحمامات وما يحتاج إليه من الطواحين والأفران، وتحولت إلى حي كبير يتوسط القاهرة .
كان اكتشاف عبد الهادي لسور الأزبكية من أسعد ما حصل له في بدايات حياته، خصوصا حينما عقد اتفاقا مع البائعين هناك على استعارة أي كتاب بنصف قرش لمدة أيام، فإذا ما راق له الكتاب، احتفظ به بعد أن يدفع ثمنه، أو أن يعيده ويتسعير غيره.
كان عبد الهادي يلتهم الكتب التهاما، إلى الحد الذي لم يكن البائعون يصدقون في البداية، أنه بالفعل يقرأ كل هذه الكتب، الذي بدأ في شراء بعضها، فكانت بمثابة النواة، التي بلغ عدد محتوايتها الآلاف بعد ذلك، في العديد من الاتجاهات، والاختصاصات، باللغتين العربية، والانجليزية، ثم الفرنسية والألمانية… كل ذلك من دون أن يخل عبد الهادي لا بعمله ولا بمشوار دراسته، الذي وصل فيه إلى المرحلة الثانوية، وبدأ حلم الدخول إلى الجامعة، والذي لم يتحقق.. فقد كان في انتظار عبد الهادي تحول غير مسار حياته.
قراءات عبد الهادي، وسعت مداركه، وقادته إلى الفكر الاشتراكي الذي اقتنع به، في وقت كان يرى فيه ضرورة وطنية، ودينية، وأخلاقية، للمشاركة في أعمال مقاومة المحتل الإنجليزي لمصر… ولكن ما السبيل، وموقف عبد الهادي كان سلبيا ونقديا تجاه معظم الأحزاب السياسية، ولم يكن أمامه من سبيل لمعرفة الوصول إلى مجموعات المقاومة.. ولكن مع سفور نية الصهاينة الاستيلاء على فلسطين، استقر رأي عبد الهادي على ضرورة الاشتراك في مقاومة هذا المحتل الغاصب، ولم تكن في مصر من جهة، تنوي مشاركة الجيش في المقاومة، إلا جماعة الأخوان المسلمين، التي بدأت في تشكيل كتائب قتالية، وراحت تتدرب في مصر، وإذا ما أبدى المتطوع استعدادا عالياً وقدرات خاصة، يتم نقله إلى معسكر في (قطنا) بريف دمشق، وهذا ما كان. فقد أثبت عبد الهادي كفاءة ملحوظة
كان عبد الهادي ناصف في سن العشرين حين تطوعه، وقضى فترة تدريب سريعة في قطنا، وقد ساعدته قوته البدنية، وبراعته في الملاكمة، وخبرته في التعامل مع الأسلحة الخفيفة، مثل أغلب أبناء الريف المصري آنذاك، فضلا عن إيمانه الذي لا يتزعزع بعدالة القضية التي وهب لها حياته، وصلابة إرادته … كل ذلك ساعده، ومكنه من اجتياز الكثير من التدريبات بسرعة، ومهارة وتفوق.
في بداية تدريبات، لاحظ المشرف على المعسكر أن العين اليسرى لعبد الهادي، لا تبدو طبيعية، فأخبره عبد الهادي أنها طبيعية، فأمر المسئول بالكشف الطبي عليه، ليفاجأ بأن عبد الهادي لا يرى بها إطلاقا، فقرر استبعاده، ما أثار غضبه، ودار بين الاثنين حوارا سأله عبد الهادي خلاله: هل سمعت عن (تيمور لانك)؟ إنه القائد المغولي حفيد جنكيز خان، ومؤسس الإمبراطورية التيمورية، وقد غدر به والي (سيستان)، وتسبب في إصابته بعاهة في قدمة اليمنى جعلته أعرجا بقية حياته، ومع ذلك، غزا موسكو، والقوقاز، والهند، وأرمينيا وأدربيجان وبلاد الشام وبغداد.. كذلك، كان زعيم الفايكنج القائد الاسكندنافي (آيفار ذي بونليس)، الذي كان (كسيحا)، ومع ذلك غزا الممالك الأربع للجزيرة البريطانية، فانبهر المسئول، وأمر بأن يكمل عبد الهادي تدريباته.
في فلسطين، برزت بسرعة فائقة جسارة عبد الهادي وشجاعته، وقدرته على الاستفادة من مخزون ثقافته العسكرية، وفنون توظيف الأرض، وتضاريسها، ومناخها، وما يمكن تطبيقه منها على أرض الواقع، فأسندت إليه مهام قتالية عديدة، أنجزها ببراعة، ما أهله بسرعة استثنائية إلى قيادة مجموعته، والقيام بعمليات أوجعت العدو، وشهد لها ضباط كبار في القوات المسلحة المصرية، الذين أذهلتهم قيادة عبد الهادي لواحدة من أهم العمليات الفدائية، وهي عملية (التبة 86).
وهذه شهادة اللواء فؤاد صادق (القوات المسلحة المصرية) عن (عبد الهادي ناصف)، الذي قاد معركة تحرير التبة 86 في فلسطين إبان حرب 48، والتي تم فيها القضاء على كامل القوة الصهيونية المحتلة من دون طلقة رصاص واحدة.
يقول اللواء فؤاد صادق: كنت أصغي للأخ عبد الهادي ناصف باهتمام شديد من دون مقاطعة.. سرنا معه بين المواقع والتحصينات، وأحسست بأنني أنا الضابط الصغير وهو القائد الكبير، أنا التابع وهو المتبوع. ويشهد الله أنني ما عثرت على جثة صهيوني واحد إلا وهي ممزقة بالخناجر لم أجد واحدا قد صرعته رصاصة، كانت المعركة فعلاً بالسلاح الأبيض وهي الخطة المعتمدة.. ومررت بالتحصينات والاستحكامات فوجدت الأخوة قد احتلوها جميعًا وأقاموا من خلفها يتربصون، وأجرينا فورًا اتصالاً لاسلكيًا بالمعسكر، نخبره بالنصر ونطلب تحرك الآليات اللازمة وسيارات الإسعاف لنقل الجرحى والقتلى الخمسة.
كانت خطة عبد الهادي ناصف تعتمد على الخطوات الآتية:
أولا: التسلل الصامت: دون إحداث أي حركة تكشف عن مواقع الفدائيين أو عددهم أو جهات هجومهم.
ثانيًا: المفاجأة: بحيث تتم مواجه العدو من أماكن قريبة يصعب معه فيها استعمال الأسلحة النارية.
ثالثًا: الاشتراك بالسلاح الأبيض: لقناعة عبد الهادي ناصف بأن نفسية العدو الصهيوني جبلت على الغدر والجبن. ويقول عبد الهادي ناصف في شهادته بعد العملية: لقد ساعدتنا هذه الصخور على أن تكون بالنسبة لنا حصونا ستظهر فائدتها فيما بعد، وجعلت من معي من الإخوة ثلاث فرق، بين الواحدة والثانية مسافة تسمح بسماع الهمس فلا نفترق أو نضل- على أن يكون ملتقانا على هدف واحد ونقطة واحدة قبل بلوغ ذروة التبة.
ويضيف ناصف: مضينا في الطريق الشائك المخيف وكنت على رأس الفصيلة الوسطى بحيث أتمكن من مشاهدة الجناحين الأخرين… كان البرد شديدًا، والليل داكنًا معتمًا، والصعود مشيًا أو زحفًا مرهقًا، ولكنني نسيت كل ما أنا فيه، وتذكرت الغاية الكبرى والهدف الأسمى، تذكرت كرامتنا المدفونة في أوحال الخيانة والفساد والانحراف، وتذكرت جيشنا الذي فقد كل حول وطول بسبب جريمة الأسلحة الفاسدة التي حولته إلى دمية خرساء بكماء، تذكرت أمتنا المهيضة الجناح تتقاذفها تيارات العمالة الفكرية والسياسية.
عاد عبد الهادي ناصف من فلسطين، وهو يحمل المبدأ نفسه الذي عاد به عبد الناصر، وهو أن تحرير فلسطين يبدأ بتحرير مصر من الاحتلال، والعائلة المالكة الفاسدة.. ومع أن ثورة يوليو 1952 تلت ذلك بأربع سنوات، إلا أن ناصف لم يؤيدها في بدايتها، ربما لأنها لا تشبه مفهوم الثورة المختزنة في ذهنه من خلال قراءاته التاريخية، وعلى الرغم من انجازات الثورة في سنواتها الأولى، من إعلان الجمهورية، إلى الإصلاح الزراعي، إلى مجانية التعليم، ظل موقف ناصف سلبيا منها، إلى أن قام جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس.. هنا تبدل موقف ناصف، وأيقن أن 26 يوليو 1956 هو التاريخ الأدق لقيام الثورة.


