السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
23°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نصيحة إلى دولة لبنان الشقيق

من القلب، ومن موقع الأخوة الصادقة التي لا تشوبها المزايدات ولا الحسابات الضيقة، أوجه كلمتي إلى لبنان الدولة والشعب، إلى من كانوا دوماً في وجدان السوريين بيتاً ثانياً ومتنفساً حراً في وجه القمع والظلم. إنّ ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، وما بين دمشق وبيروت تاريخ من التداخل والدماء والذاكرة المشتركة، لا يجوز أن تُسمّمها سياسات الأنظمة ولا أن تفرّقها الأزمات.

لقد آن الأوان أن تُغلقوا جرحاً نازفاً طال أمده، جرح المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، أولئك الذين ما زالوا يدفعون ثمن لعبة سياسية قذرة لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل. إنّ استمرار هذا الملف مفتوحاً ليس إلا استمراراً لجريمة مزدوجة: جريمة بحق الإنسان وجريمة بحق العلاقة الأخوية بين بلدين جارين كتب عليهما القدر أن يتنفّسا هواءً واحداً ويتقاسما الوجع والأمل.

الجميع في لبنان يعلم أن هذه الاعتقالات لم تكن يوماً مسألة أمنية بحتة، بل هي امتداد لمرحلة سوداء من النفوذ السوري في لبنان، حين حوّل نظام بشار الأسد الأجهزة الأمنية إلى أدوات إذلال وتصفية حسابات سياسية. وما أشبه اليوم بالأمس حين نجد بعض القوى تحاول توظيف هذا الملف مجدداً، لا لحماية لبنان ولا لصون سيادته، بل لاستثمار المعاناة في بازار الطائفية والمزايدات الانتخابية.

أقولها بصراحة، ومن موقع العروبة الصادقة لا المواربة: إنّ النظام الذي ورّطكم في دمائكم قبل أن يورّطنا في دمائنا هو نفسه النظام الذي دقّ إسفين الطائفية في لبنان يوم كان حافظ الأسد يوزّع الولاءات بين الميليشيات ويغذّي الانقسام ليبقى المتحكّم في مفاتيح الحرب والسلم. وإنّ ابنه بشار لم يكن أقل إجراماً، فقد واصل النهج ذاته، بل أمعن في تحويل السوريين واللبنانيين معاً إلى رهائن لسلطة الخوف والفساد.

من حقّ لبنان أن يحمي حدوده، لكن من واجبه أيضاً أن يحمي كرامته، والكرامة لا تُصان حين يُحتجز الأبرياء بلا محاكمة أو حين يُترك المعتقل السوري عرضة للابتزاز أو النسيان. إنّ إغلاق هذا الملف بشفافية وإنسانية هو الموقف الذي يليق بلبنان الرسالة، لبنان الثقافة والحرية، لا لبنان العنصرية والمقايضات.

افتحوا السجون للعدالة، لا للانتقام. واجعلوا من هذا الملف فرصة لتصحيح مسار العلاقة بين الشعبين، لا وقوداً لتأجيج الغرائز. ولتكن الخطوة من بيروت، لا استجابة لضغوط الخارج، بل وفاءً لما في ضمير لبنان من قيم وحرص على العدل.

إنّ السوريين الذين عاشوا في لبنان وعملوا فيه وبنوا في أرضه البيوت والمشاريع، ليسوا غرباء ولا خصوماً، بل إخوة شاءت المأساة أن تُفرّق بينهم وبين أهلهم. فلتكن بادرة لبنان اليوم عنواناً للمروءة، لا استرضاءً لأحد، بل إكراماً لتاريخه هو.

أغلقوا هذا الجرح، أعيدوا الثقة إلى مكانها، وامنعوا كل من يريد أن يتاجر بدموع الأمهات وصبر المظلومين. إنّ الأخ لا يطعن أخاه، ولبنان الذي نعرفه لا يمكن أن يرضى أن يبقى بين جدرانه مظلومٌ يستغيث ولا مجيب .

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...