السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
29°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من الميدان إلى الخلود… حكاية ستة رجال ووطن مأزوم

كارولين ياغي

بالأمس، خسر لبنان ستة من أبنائه من جنود الجيش، رجال لم يختبئوا خلف الشعارات ولم يكتفوا بترديد “بحبك يا لبنان” في الأغاني أو المناسبات، بل جعلوها فعلًا يوميًا في الميدان، في الشمس والعرق والسهر والخطر. هم من أولئك الذين آمنوا أن الوطن ليس فكرة رومانسية عابرة، بل مسؤولية تُحمل على الكتفين حتى لو كان الثمن الحياة نفسها.
رحلوا في زمن تتكاثر فيه الأخطار على الأبواب وفي الداخل، زمن تتداخل فيه خطوط الحرب والأمن والسياسة في مشهد لبناني مأزوم. ومع ذلك، ظلوا يواجهون، لأنهم صدّقوا أن الأرض التي حمَوها تستحق، وأن الدم الذي سُفك سيظل شاهدًا على الوفاء، لا على اليأس.
لكن الوفاء الحقيقي لا يكتمل بالدموع وحدها، ولا بالبيانات الرسمية التي سرعان ما تُطوى في الأرشيف. الوفاء هو أن تُروى القصة كاملة، أن يُفتح التحقيق بلا مواربة ولا صفقات، وأن يُكشف كل خيط من خيوط الانفجار الذي خطفهم. فالعدالة وحدها تصون التضحيات من أن تتحوّل إلى مجرّد ذكرى حزينة في ذاكرة مُثقلة بالفواجع.
وراء كل اسم من هؤلاء الأبطال، عائلة تنتظر عودته، وطفل لن ينسى صوته، وأم ستظل تنظر إلى الباب كأن الخطوات قد تعود يومًا. الفقد هنا ليس رقماً في بيان، بل حياة كاملة انكسرت فجأة، ومعها انكسر جزء من الوطن.
ربما لا يستطيع اللبناني اليوم أن يغيّر مسار السياسة أو أن يوقف الانفجارات قبل وقوعها، لكن بإمكانه أن يطالب بالحقيقة، وأن يرفض أن تمر هذه الحوادث كعابري سبيل. فدم الجنود لا يُقايض، ولا يُسعَّر، ولا يُنسى.
إنهم لم يسقطوا عبثًا، بل سقطوا على طريق طويلة بين الألم والأمل، على جسر يمتد من جراح لبنان الكثيرة إلى حلمه المستمر بالنهضة.
سلامٌ على أرواحهم، ورحمة تليق بمن حملوا الوطن على أكتافهم حتى آخر نفس، علّ دمهم يكون جرس إنذار يدفعنا جميعًا لئلا نسير نيامًا نحو الخطر نفسه مرة أخرى.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...