الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

إقصاء محسوب أم إعادة تموضع؟ قراءة في تهميش ' الدور الأردني " باتفاق غزة ومآلاته السياسية والأمنية

يبدو أن الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، الذي رعته الولايات المتحدة بمبادرة مباشرة من الرئيس دونالد ترامب وبوساطة مصرية وقطرية وتركية، قد كشف بوضوح عن ملامح مرحلة جديدة في هندسة التوازنات الإقليمية، يكون فيها الأردن على الهامش أكثر من أي وقت مضى في الملف الفلسطيني، بعد أن ظل لعقود أحد أعمدته الأساسية.

فبينما سارعت عمّان إلى الترحيب بالاتفاق والتعبير عن دعمها للجهود الإنسانية والسياسية، بدا من الواضح أن دورها اقتصر على البيان الدبلوماسي، دون أن تكون جزءًا من المطبخ الفعلي للقرار أو طرفًا مؤثرًا في مسار التفاوض أو الترتيبات الميدانية في غزة.

هذا التراجع لا يمكن فصله عن تحوّل عميق في خريطة النفوذ الإقليمي. فالمعادلة الأميركية الجديدة بعد العودة الترامبية تميل إلى توزيع الأدوار وفق معايير النفوذ الأمني والاقتصادي المباشر لا الثقل التاريخي أو الشرعية الدينية والسياسية، وهو ما يضع الأردن في موقع صعب.

إذ لم يعد الموقع الجغرافي والرمزية الهاشمية كافيين لضمان موقع متقدّم في الملفات الفلسطينية، خاصة في ظل بروز محاور إقليمية أكثر جرأة واندفاعًا في إدارة الملف، مثل مصر وقطر وتركيا، التي تمكنت من بناء قنوات اتصال متوازية مع كل من واشنطن وتل أبيب وحماس ، فيما بقي الأردن متمسّكًا بخطاب قانوني – شرعي تقليدي يركّز على حل الدولتين ورفض التهجير ووقف العدوان، دون أن يمتلك أدوات ضغط ميدانية أو تفاوضية تُتيح له فرض نفسه لاعبًا لا يمكن تجاوزه.

لكن السؤال الأخطر لا يتعلق بغزة وحدها، بل بما إذا كان تهميش الدور الأردني في هذا الاتفاق يمهّد فعلاً لتحول سياسي وأمني في الضفة الغربية على حسابه.

فالإشارات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة توحي بأن إدارة ترامب الجديدة تنظر إلى الضفة كمساحة يمكن إعادة تشكيلها ضمن مشروع “الاستقرار الموجه”، بحيث تُدار شؤونها الأمنية والاقتصادية بتنسيق أميركي – إسرائيلي مباشر مع أطراف محلية مختارة، وربما بغطاء عربي جديد لا يشمل الأردن بالضرورة.

هذا السيناريو، إن تحقق، يعني أن الوصاية الأردنية التاريخية على المقدسات في القدس، وكذلك دور عمّان كحاضن سياسي للسلطة الفلسطينية وممرّ دبلوماسي للاتصالات الغربية، قد يتعرض لتقليص تدريجي وربما استبدال وظيفي بترتيبات جديدة تشارك فيها عواصم خليجية أو مصرية.

سياسيًا، يظهر الأردن اليوم في وضع دفاعي، يحاول عبر التصريحات الرسمية تثبيت حضوره الرمزي في الملف الفلسطيني وتذكير العالم بمخاطر تجاوز دوره، لكن من دون أدوات كافية لمواجهة التحول الجاري على الأرض.

فبينما تُناقش واشنطن وتل أبيب مستقبل غزة من خلال “ هيئة اشراف دولية ” ، وتُطرح أفكار لإدارة الضفة على نحوٍ منفصل، يجد الأردن نفسه محاصرًا بين التزاماته تجاه الشعب الفلسطيني ومخاوفه من أن يؤدي أي ترتيب ميداني جديد إلى تهديد أمنه الداخلي وتركيبته السكانية.

هذا التهميش، وإن بدا فنيًا في تفاصيل الاتفاق، يحمل في جوهره بعدًا استراتيجيًا يتجاوز غزة نحو إعادة توزيع النفوذ في كل فلسطين التاريخية، في معادلة قد تُضعف الدور الأردني الذي شكّل لعقود صمام أمان سياسي وجغرافي بين الضفة الغربية وإسرائيل.

أما أمنيًا، فإن تراجع الدور الأردني في المعادلة الفلسطينية قد يُفاقم التهديدات غير المباشرة على حدوده الغربية.
فكلما ضعف التنسيق بين عمّان والسلطة الفلسطينية، وكلما تعززت ترتيبات أمنية جديدة في الضفة خارج المظلة الأردنية، ازدادت احتمالات الاحتكاك الأمني أو التسلل أو تنامي التيارات المتطرفة العابرة للحدود.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب الأردن عن ترتيبات إعادة إعمار غزة أو الضمانات الأمنية فيها قد يحرمه من القدرة على التأثير في مخرجات قد تنعكس لاحقًا على عمقه الوطني، خصوصًا إذا أُعيد توزيع المساعدات أو العقود الاقتصادية وفق محاصصة إقليمية لا تراعي مصالحه.

غير أن تهميش الدور الأردني لا يعني بالضرورة نهايته. فالتاريخ السياسي للمنطقة يثبت أن عمّان غالبًا ما تعود لاعبًا محوريًا عندما تتعقد الملفات وتفشل البدائل.

لكن استمرار هذا الغياب، أو الاكتفاء بدور المراقب، سيُضعف قدرة الأردن على حماية ثوابته، وعلى رأسها منع التهجير وتثبيت حل الدولتين وضمان استقرار حدوده.

ما يجري اليوم يبدو كأنه إعادة ترتيب ناعمة للمنطقة، تُمنح فيها الأدوار لمن يمتلك أدوات الضغط لا الشرعية، ولمن يستطيع أن يقدّم لإسرائيل الأمن أكثر مما يقدّم للفلسطينيين الدولة.

في النهاية، قد لا يكون تهميش الأردن في اتفاق غزة مجرد تفصيل بروتوكولي، بل مقدمة لمعادلة أوسع يعاد فيها تعريف من يتحدث باسم الفلسطينيين، ومن يملك حق إدارة ملفاتهم، ومن سيُمنح مفاتيح الضفة الغربية في المرحلة المقبلة.

وفي ظل صمت رسمي متزن وخطاب دبلوماسي حذر، تبدو عمّان اليوم أمام اختبار استراتيجي حقيقي :
إما أن تعيد صياغة أدواتها السياسية والأمنية لتستعيد موقعها التاريخي في قلب المعادلة الفلسطينية، أو أن تجد نفسها متفرجة على تسويات تُرسم في جوارها وعلى حسابها، في زمن تتغير فيه التحالفات بسرعة لا ترحم الثوابت.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...