الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
11°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

البقاع ينزف... يزفّ أبناءه سعداء، والدولة تراقب وتندّد وتستنكر

ليس البقاع خبرًا عابرًا في شريطٍ عاجل، ولا رقمًا يُضاف إلى نشرة الضحايا، ولا بيانًا رسميًا يُتلى ببرودٍ على شاشات المساء، ثم يُطوى كما تُطوى أوراق الأمس في أدراج النسيان.

البقاع وجعٌ يتجدّد كلّ يوم، وجرحٌ مفتوحٌ في خاصرة الوطن، ينزف كرامةً قبل أن ينزف دمًا، ويزفّ أبناءه إلى الشهادة سعداء، كأنهم يمضون إلى عرسٍ سماويّ، فيما الوطن واقفٌ على شرفته يتفرّج.

هناك… حيث الحدود ليست خطوطًا على الخرائط بل نارًا مشتعلة، وحيث الليل أطول من قدرة الدولة على السهر، تُكتب البطولة بمداد الدم، وتُرفع الأكفّ بالدعاء، وتُبنى الاستراتيجيات بدل أن تُكرَّر التنديدات والاستنكارات.

في البقاع كما في الجنوب، الأمّ تودّع ابنها وقلبها معلّقٌ بين السماء والأرض، والأب يشيّع فلذة كبده مرفوع الرأس مكسور الفؤاد، والأطفال يكبرون قبل أوانهم، يتعلّمون معنى الفقد قبل أن يتعلّموا معنى الأمان.
أمّا الدولة… فتراقب، وتندّد، وتستنكر، وتُسطّر المحاضر، وتفرض الضرائب. لا تحاول حتى أن تردع المعتدي؛ تُشكّل لجانًا، وتُصدر بيانات، ثم تنام على وسادة الكلمات، كأنّ الحبر قادرٌ على وقف النزيف، وكأنّ البلاغة تعوّض غياب القرار.
أيُّ وطنٍ هذا الذي اعتاد أن يرى أبناءه دروعًا له، ولم يعتد أن يكون لهم درعًا؟
وأيُّ سيادةٍ هذه إذا كان المواطن هو من يدفع ثمنها دمًا؟ وأيُّ عدالةٍ تحفظ صياغة البيان ولا تحفظ دم الإنسان؟

البقاع ليس هامشًا في جغرافيا الوطن، ولا تفصيلًا في مشهدٍ سياسيٍّ مزدحم؛ إنّه قلب لبنان النابض، خزّان صموده، وساحة عزّته. وإذا نزف القلب… فكيف يبقى الجسد حيًّا؟

البقاع لا يطلب المستحيل، ولا يسأل امتيازًا، ولا ينتظر منّةً من أحد. يطلب فقط دولةً تشبه اسمها: دولةً تحمي أبناءها كما يحمي الآباء أبناءهم، وتسهر عليهم كما تسهر الأمهات، وتجعل أمنهم أولويةً لا بندًا مؤجّلًا، وكرامتهم التزامًا لا شعارًا.

سيبقى البقاع يزفّ أبناءه بفخرٍ وعزّة، وسيصنع من الألم كرامةً، ومن الجراح ثباتًا.
لكن العار كلّ العار أن تبقى الدولة تزفّ بياناتها بلا فعل، وأن تكتفي بلغة الإدانة في زمنٍ لا يفهم إلا لغة القوّة والشجاعة والقرار الجريء؛ لغة الدولة التي تعرف أنّ كرامة أبنائها ليست فقرةً في خطاب… بل معنى وجودها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...