التشيع المذهبي غني بالفكر والأدب والمواقف على مدى العصور العربية والإسلامية ، وذلك جميعه نبع من إيثار البيت الهاشمي وحصر الخلافة فيه ، في بيت فاطمة وفي بيت علي بالذات فلماذا ؟ … قد يكون الجواب مباشراً ولكنه في هذا الصدد يدعو الى التوقف ، لأن فريق علي انتواه بعد وفاة الرسول ، ثم وقع الخسران السياسي بقدر وخدعة فعوّض الخاسرون عن وضعهم بالعزاء كما يقول المستشرق الفرنسي ماسينيون .
وصُعّدت شخصية الامام علي الى آفاق مختلفة ، بعضها معقول وبعضها مُتزيّد فيه والبعض الآخر وصل الى قمة التقديس ، ومن المغالين من مزج شخص الامام بالكون ومنحه معنىً الهياً ، وذلك لعمري خروج على الإسلام الحقيقي ، بيد أن المغالين من المتشيعة لم يقفوا عند حدود الإسلام ، بل امتد نظرهم الى التراث الهندي والمسيحي واليهودي والفارسي وذلك لعدة أسباب منها :
أولاً – لدى اليونان والهنود اسطورة تفسح المجال للخيال يلعب دوره وأن يستمد منه المغالي خطوطاً ورسوماً لما ينتويه وعلى الأخص موضوع التقمص والتناسخ الهندي وموضوع تأليه البطولات الأولمبي اليوناني .
ثانياً – نسجت المسيحية قماشة الفداء بصلب المسيح الذي سكنه العنصر الإلهي ، وأعلن الإسلام أن الصلب لم يقع ، ولكن شبه لهم ورفعه الله اليه ولدى اليهودية ما يشبه المسيحية في شخصية عزير .. فلماذا لا يرسم الإمام كالمسيح وعزير ؟ .
ثالثاً – جهد أفراد معينون في مجرى حياة الإسلام على أن يكيدوا له وذلك باختراع الأحاديث ونسبتها الى الرسول الكريم ، أو بإشاعة الأسطوريات اليهودية والمسيحية مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سبأ وسواهم ، وربما عنّ لهم أن يقلدوا الكتاب الكريم لذلك يُعد موقف عمر بن الخطاب ثم عزيمة عثمان على توحيد كتابة المصحف ، وقراءته عملاً جباراً فوت على المدلسين أن يبيتوا نيات خبيثة .
رابعاً – لم يغب عن المغالين أمر المعراج وصعود الرسول الى السماء ، وبما أن الإمام ابن عم الرسول وصهره وعاش في كنفه فلماذا لا تكون له صفة الصعود الى السماء والحلول في الكون ، وذلك ما سهّل لبعض الشعراء ومنهم كثير عزة أن يدعوا الى أن الرعد صوت الإمام وأن البرق ابتسامته والسحاب دمعته ، وقول البعض أنه لم يمت بل هو مقيم في جبل رضوى وعنده عسل وماء .
خامساً – من أميّز المتشيعين أولئك الذين راعوا صفات الإمام علي ونسجوا على منوالها صفات أي إمام يلي أمر المسلمين فحددوا لذلك شروطاً أهمها أن يكون الإمام تقياً شجاعاً عالماً سخياً زاهداً … وعُدّ ذلك منهم رسماً للمثل الأعلى الذي يرتقي الى رئيس الجمهورية الأفلاطونية وسموه الإنسان الإمام كما سمت المتفلسفة الحاكم الأعلى الإنسان الكامل .. سوبر مان ومثلهم المتصوفة .
سادساً – بعض الفرق التي نبعت من التشيع المغالي استعارت من الفلاسفة والحكماء والعلماء اليونان والمصريين والهنود وسواهم شخصيات مزجوها بالإمام فإذا به تارة عنصر كوني كما عند بعض العلويين …
إلا أن هذه المذهبية منحت المكتبة الإسلامية غنىً بالفكر والمعطيات ولكنه فكر مشوش قد يتصل بالفتوحية العرفانية أكثر مما يتصل بالعقل العلمي الاستقرائي أو بمرتكزات الإسلام الأصلية ، بذلك نقرأ الفقه الشيعي وعلم الكلام ( تيولوجيا ) وطائفة من الأحاديث ، وجملة من التفاسير لا شك في أنها مهمة الى أبعد الحدود في مجرى ثقافتنا وتراثنا .
الى جانب ذلك فإن التشيع بمختلف مذاهبه أغنى الأدب العربي ورسم معظم خطوطه لأن التشيع كان حزب المعارضة طيلة العصرين الأموي والعباسي ، والجماهير تقف في صفوف المعارضة وتكره الحاكم المسيطر لأنه لا يستطيع إرضاء كل الجميع وما كل الناس يزهد في المنافع والمكاسب حتى قيل : ” وهل رأيت أديباً غير شيعي ” ؟


