السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

السويداء: العقدة النفسية والسياسية في الجسد السوري

رلى توفيق الحوري

السويداء منطقة فريدة في المشهد السوري ، تقع في خاصرة البلاد الجنوبية، وتقطنها غالبا طائفة الموحدين الدروز. تتمتع السويداء بإرث طويل من العزلة والخصوصية الثقافية والسياسية. منذ اندلاع الأزمة السورية، سعت عدة قوى إقليمية ودولية لاختراق هذه المنطقة، تارة بحجة الحماية وأخرى بالدعم السياسي. في المقابل، حملت بعض الفئات المحلية هواجس وجودية نابعة من خوف تاريخي من التذويب أو الإقصاء.

تواجه السويداء ضغوطاً اجتماعية واقتصادية وسياسية تزيد من هشاشة الدولة السورية وتعقد الواقع المحلي. في هذا الإطار، تعتمد الأطراف المتصارعة استراتيجية “فرق تسد” لتفكيك التركيبة الاجتماعية وتحويل الفئات الضعيفة إلى أدوات في الصراع، مما يجعل التنسيق أو التفاعل مع القوى الخارجية خيار بقاء وليس خيارا أيديولوجيا.

– الضغوط النفسية والاجتماعية ومفهوم الوصمة الاجتماعية :

ما نراه من ادعاءات التنسيق مع الكيان الصهيوني، بغض النظر عن الحجم وتعدد الفئات التي تقف تحت مظلته، لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الأوسع للضغوط الأمنية والنفسية التي تعرضت لها هذه الجماعة. جزء من الدروز في فلسطين المحتلة مجبرون على أداء الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال منذ سنوات، ما أسهم في خلق صورة مشوهة عن الطائفة بأكملها.

هذا الواقع يعزز ما وصفه عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان (Erving Goffman) بـ”الوصمة الاجتماعية” (Social Stigma)، حيث يحاسب الفرد على أفعال آخرين من أبناء طائفته، حتى وإن كانوا بعيدين عنه جغرافيا أو سياسيا. تسبب هذه الوصمة عزلة نفسية واجتماعية تدفع الأفراد نحو الانغلاق أو السعي لحماية أنفسهم.

– الحاجات النفسية غير المشبعة وديناميات البقاء:

في إطار علم النفس السياسي، يمكن تفسير سلوك بعض أفراد جماعة الموحدين الدروز الذين يتجهون إلى الانغلاق أو البحث عن حماة خارجيين من خلال مفهوم “الحاجات النفسية غير المشبعة” (Unmet Psychological Needs). يستند هذا المفهوم إلى نظرية ماسلو للحاجات الإنسانية، والتي تشمل الأمن، الانتماء، والاعتراف.

عندما تتعرض الجماعة لحصار مزدوج نابع من التهميش السياسي من الدولة المركزية، وتهديد من الجماعات الراديكالية المحيطة، يشعر الفرد أو الجماعة بعدم الأمان النفسي والحرمان من الانتماء والاحترام. في هذه الظروف، قد تتخذ الجماعة خيارات للبقاء حتى وإن كانت خارج السياق الأيديولوجي، مثل التنسيق مع أطراف خارجية كوسيلة حماية لا كدليل على انحياز.

– الوصمة الجماعية وتأجيج الصراع الاجتماعي :

لكن هذا السلوك أدى إلى وصمة جماعية طالت الجميع، وأشعل نار الصراع الاجتماعي الداخلي، ما مهد لتغذية خطاب “الحرب الأهلية” (Civil War Discourse) داخل الصف السوري. تحولت التهمة من فعل أفراد إلى وصم جماعة بأكملها، وهو ما يتطابق مع ما أشار إليه المفكر فرانز فانون (Frantz Fanon) حين قال:

“الاستعمار لا يكتفي بتشويه جسد الأرض بل يشوه عقل الشعوب فيدفعهم لاتهام بعضهم بجرائم زرعها فيهم الاستعمار نفسه.”

– الجانب الإنساني الحقيقي :

على الصعيد الإنساني، يعاني أهل السويداء قصصا يومية تقطع النفس: عائلات فقدت أبنائها في النزاعات، نساء تترقب أبناءها العائدين من جبهات القتال، وأطفال ينشأون وسط خوف دائم من انفجار اجتماعي محتمل. هذا الجانب يذكرنا بأن خلف كل تصنيف سياسي قصة إنسانية تستحق الفهم والاحترام.

– الحرب النفسية كأداة للتدمير الداخلي :

تعد “الحرب النفسية” (Psychological Warfare) إحدى أدوات الصراع، والتي لا تستهدف فقط هدم الدول بل تفتيت مكوناتها من الداخل عبر استغلال مشاعر الخوف، الخذلان، والتهميش. يتم تحويل الفئات الهشة إلى أدوات ضد محيطها، وهو ما وصفه نيكولو مكيافيلي (Niccolò Machiavelli) بـ”فن إخضاع العدو من داخله”؛ أي تدميره دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة.

– الانقسام كتكتيك استعماري :

يظل مبدأ “فرق تسد” القاعدة الذهبية التي يعتمدها الأعداء، سواء الصهاينة أو غيرهم، كتكتيك استراتيجي منهجي لتفكيك المجتمعات العربية. عبر استثمار الانقسامات الطائفية والعرقية والجغرافية، يتم إشعال الفتن وإضعاف قدرة المجتمعات على التوحد والتصدي، مما يضمن استمرار هيمنة هذه القوى وتحكمها بمصير المنطقة.

– البعد الجيوسياسي لموقع السويداء :

سياسيا، لا ينبع اهتمام إسرائيل بالسويداء فقط من موقعها الجغرافي المتاخم للجولان المحتل، بل لأن السويداء تمثل عقدة حساسة ضمن التركيبة السورية. من خلالها يمكن تفكيك خطوط التوازن الطائفي والوطني، خصوصا وأن السويداء شكلت في أوقات عدة نقطة ارتكاز للمقاومة المدنية ورفض التجاذبات العسكرية. لذلك، فإن تفجير السويداء من الداخل يخدم أطرافا كثيرة تسعى لإضعاف سوريا كدولة موحدة، وليس فقط النظام الحاكم.

– الخلفية التاريخية لموقف السويداء في الأزمة السورية :

منذ بدء النزاع السوري، تبنت قطاعات واسعة في السويداء موقفا متوازنا، معارضة للتجنيد الإجباري ورافضة الانزلاق إلى صراع مسلح طائفي. هذا الموقف وضع السويداء في موقع رمادي، حيث سعت لحماية مجتمعها من الدمار، في ظل ضغوط متزايدة من جميع الأطراف.

– ضرورة تجاوز الوصمة والاتهام الجمعي :

لا بد من تجاوز منطق “الوصمة والاتهام الجماعي”، والسعي لفهم الواقع من منظور مركب يربط بين الديناميات النفسية، السياسات الأمنية، والتدخلات الخارجية. كما أن التمييز بين الفعل الفردي والخيار الجمعي هو ضرورة أخلاقية وسياسية للحفاظ على النسيج الوطني من الانهيار تحت ضربات التعميم والانفعال.

– اخيرا. إن إنقاذ السويداء، كما غيرها من المناطق الهشة، لا يتحقق بالتخوين أو التجاهل، بل بإعادة دمجها في سردية وطنية تحفظ كرامة أهلها، وتحميهم من التحول إلى أدوات في حرب لا تعبر عنهم ولا تعبّر عن إرثهم المقاوم. فهل ستفيق الأطراف المعنية قبل فوات الأوان؟

رلى توفيق الحوري
صوت الذين لا صوت لهم

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...