الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
13°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الطائفة القاديانية والقدس: حين يتحوّل الانحراف العقدي إلى خدمة للاحتلال

 

لم تظهر الطائفة القاديانية، التي تُعرف اليوم باسم الجماعة الإسلامية الأحمدية، بوصفها حركة دينية عفوية نابعة من سياق إسلامي طبيعي، بل نشأت في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، تزامنت مع إحكام الاستعمار البريطاني قبضته على شبه القارة الهندية، وسعيه الدؤوب إلى كسر روح المقاومة في المجتمعات الإسلامية، لا بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر تفكيك الوعي الديني من الداخل. في هذا السياق بالذات، برزت القاديانية بوصفها مشروعًا دينيًا جديدًا يعيد تعريف الإسلام، لا باعتباره دينًا يحمل موقفًا من الظلم والاحتلال، بل باعتباره منظومة روحية منزوعـة الصراع، محايدة تجاه الاستبداد، بل مهادِنة له.

اعتمدت القاديانية منذ بداياتها على إعادة صياغة المفاهيم المركزية في الإسلام، وفي مقدمتها النبوة والجهاد والولاء والبراء، فأنكرت ختم النبوة عمليًا عبر ادعاء مؤسسها مرزا غلام أحمد مقامًا نبويًا جديدًا، وجرّدت الجهاد من مضمونه الشرعي، وحوّلته من فريضة مقاومة إلى مفهوم أخلاقي داخلي لا علاقة له بالواقع السياسي أو الاحتلال العسكري. هذا التحول لم يكن تفصيلاً عقديًا محدودًا، بل شكّل الأساس الفكري الذي جعل الطائفة قابلة للتوظيف السياسي، ومتناغمة مع مصالح القوى المهيمنة.

من هنا يمكن فهم السبب العميق الذي جعل القاديانية تحظى تاريخيًا برعاية الاستعمار البريطاني، ثم لاحقًا بقدر من القبول والرضا من قبل الكيان الصهيوني. فإسرائيل، بوصفها كيانًا قائمًا على الاحتلال، لا تخشى التدين الشكلي، لكنها ترى في أي إسلام يحمل وعيًا سياسيًا أو ارتباطًا بالأرض والمقدسات تهديدًا مباشرًا لشرعيتها. ولذلك فإنها تميل إلى احتضان أو التساهل مع كل تيار ديني يسهم في تفريغ الإسلام من مضمونه المقاوم، ويحوّل الصراع من قضية عقدية حضارية إلى شأن تاريخي أو إداري قابل للتسوية.

في هذا الإطار، لم يكن موقف القاديانية من المسجد الأقصى حادثًا عارضًا، بل نتيجة منطقية لمسار فكري متكامل. فربط الإسلام بالقدس، والاعتراف بقدسية المسجد الأقصى، يعني الإقرار بأن الصراع مع الاحتلال ليس مجرد نزاع سياسي، بل قضية دينية تمسّ جوهر العقيدة والهوية. وهذا ما لا يمكن للفكر القادياني قبوله، لأنه يهدم البنية التي قام عليها منذ نشأته، ويعيد إحياء مفهوم الجهاد الذي سعى إلى إلغائه. لذلك لجأت القاديانية إلى نزع القدسية عن المسجد الأقصى، والقول إن المقصود به في القرآن ليس المسجد المعروف في بيت المقدس، بل موضع آخر، وهو طرح ينسجم تمامًا مع الحاجة الصهيونية إلى تفريغ القدس من بعدها الديني الإسلامي.

إن رضا الكيان الصهيوني عن القاديانية لا يُفهم بوصفه اعترافًا دينيًا أو قناعة فكرية، بل بوصفه انتفاعًا وظيفيًا. فالقاديانية، من حيث تدري أو لا تدري، تسهم في إنتاج نموذج من التدين لا يصطدم مع الاحتلال، ولا يرى في فلسطين قضية مركزية، ولا يعتبر الدفاع عن المقدسات واجبًا شرعيًا. وهذا النموذج هو ما تبحث عنه إسرائيل في محيطها، لأنه يخفف من حدّة الصراع، ويحوّله من صراع وجود إلى خلاف يمكن احتواؤه.

وقد تجلّى هذا الرضا في السماح لنشاط الطائفة داخل الأراضي المحتلة، وفي التغاضي عن خطابها، ما دام لا يمسّ شرعية الاحتلال ولا يحرّض على مقاومته. وكما استفاد الاستعمار البريطاني من القاديانية في تحييد المسلمين في الهند، وجد الكيان الصهيوني فيها نموذجًا دينيًا غير مزعج، بل نافعًا في سياق معركته على الوعي.

من هنا، فإن دراسة القاديانية لا ينبغي أن تُختزل في بعدها العقدي فحسب، بل يجب أن تُفهم ضمن شبكة المصالح السياسية والاستعمارية التي أحاطت بها منذ ولادتها. فالمسألة ليست اختلافًا مذهبيًا عابرًا، بل مشروعًا لتفكيك الدين من الداخل، ونزع قدرته على إنتاج موقف، وتحويله إلى طقوس روحية معزولة عن قضايا الأمة الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...