يعد مشروع تقسيم العراق من المشاريع الإسرائيلية التي يخدم أمن الكيان الصهيوني ، وفي خضم التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط ،يبرز مشروع تقسيم العراق كأحد السيناريوهات إثارة للجدل والقلق ،على المستوى الإقليمي و الدولي، وهو مرفوض قلبا وقالبا من الشعب العراقي.
المؤرخ الإسرائيلي _ ببني موريس دعا في حديث إلى إحدى الإذاعات الأميركية، إلى تقسيم العراق بعد غزوه، عام 2003وقال _ إن العراق دولة مصطنعة رسمها الإنجليز وخلطوا فيها عشوائياً شعوباً وطوائف لا تريد في الحقيقة أن تتعايش مع بعضها !!!وهو المعنى نفسه الذي كان يردِّده المؤرخ الأميركي اليهودي _ برنارد لويس الذي كان يَعدُّ العراق أيضاً كياناً غير طبيعي، قام على أساس “خطأ تأريخي” تسببت فيه بريطانيا ، وإن إحتلال العراق ثم تقسيمه فرصة لتصحيح ذلك الخطأ.
في يوم 26 أيلول العام 2007. إقر مجلس الشيوخ الأميركي _ الكونغرس خطة غير ملزمة لتقسيم العراق إلى ثلاث أقاليم للحكم الذاتي ,في أدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش الإبن
وهو إقليم كردستان و سنستان وشيعستان !!
هذه التعابير وهي بحسب المؤرخون ترجمة لمشروع التقسيم الناعم في مراكز الأبحاث والدراسات الأميركية آنذاك ،وصوت لهذا القرار 75 عضوا في الكونغرس الأميركي ،و كان يقود حملة تقسيم العراق رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ _ الكونغرس هو السيناتور الذي اصبح رئيسا : انه جو بايدن.
ولكن مشروع تقسيم منطقة المشرق العربي ليس موضوعاً جديداً ، بل ومنذ بداية القرن العشرين تم تفكيك العالم العربي عبر مشروع سايكس _ بيكو في العام 1916. الذي رسم الحدود خدمة لمصالح فرنسا وبريطانيا وما زال هذا المشروع متواصلاً حتى الآن وبمف جديد مثل الفيدرالية، و أن هذه الشعارات تتماهئ مع الأجندات القوى الإقليمية والدولية الكبرى لأضعاف الكيانات الموحدة و السيطرة على منطقة الشرق العربي .
مشروع تفكيك العراق والعالم العربي هو مشروع إسرائيلي قديم ولعل أقدم وثيقة صهيونية تتحدث رسميا عن تفكيك العراق والعالم العربي وهي المعروفة بعنوان _ وثيقة كارينجا
من هو ؟
كارينجا _ وهو صحفي هندي إعطاه الوثيقة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر وثيقة هئية الأركان الإسرائيلية حول تفكيك منطقة الشرق الأوسط فنشرها في كتاب يحمل عنوان كتاب خنجر إسرائيل في العام 1957. حيث تتحدث الوثيقة عن إنشاء دول طوائف وقوميات حيث دولة درزية في منطقة الصحراء وجبل تدمر ودولة شيعية في جبل عامل وضواحيه في لبنان ودولة مارونية في جبل لبنان ودولة علوية في الساحل السوري حتى حدود تركيا ودولة كردية في شمال العراق.
في يوم 2 حزيران العام 1982. طرح المحلل العسكري الإسرائيلي زئيف شيف في مقال له نشرته صحيفة إريتس تصورا حيث يتحدث في المقال عن إستراتيجية لتقسيم العراق إلى عدة كيانات عرقية و طائفية وذلك قبل أيام من إجتياح إسرائيل للبنان في العام 1982. و تزامن هذا الطرح مع ما ورد في وثيقة “كيفيم “التي أعدها الكاتب الصهيوني عديد ينون ونشرتها مجلة “كيفيم “التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية في شهر شباط العام 1982. و التي دعت الئ إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط عبر تفكيك الدول المركزية وهي سورية والعراق ومصر. وطبعا كان العراق وهو المطلوب تفكيكه الئ عدة كيانات طائفية و عرقية قائمة على الأسس العرقية و الطائفية حيث شكلت الإستراتيجية لتقسيم العراق أحد المحاور الأساسية في التصورات الجيوسياسية التي تبناها تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين .وكانت واضحة المعالم في وثيقة سياسية أعدها فريق من تيار المحافظين الجدد لصالح بنيامين نتنياهو في العام 1996. تحت عنوان هذه الورقة على ضرورة تفكيك التهديدات الإقليمية لإسرائيل من خلال أضعاف الدول العربية المركزية و أعتبرت العراق تحديدا يجب أن يكون هدفا لسياسة التفكيك بوصفة ركيزة قومية وجيوسياسية قادرة على تهديد التوازن الإقليمي لصالح القوى في الشرق الأوسط وهذه التصورات تطورت لاحقا الئ برنامج سياسي متكامل في مشروع تيار المحافظين الجدد وعرف آنذاك بعنوان مشروع القرن الأميركي الجديد الذي نشر في العام 2000. وفي وثيقة أخرئ بعنوان إعادة بناء الدفاعات الإستراتيجية والقوى والموارد الأميركية من أجل قرن جديد ضمن هذه الوثيقة وتم توكيد أهمية إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط عبر تفكيك الدول الكبرى الئ عدة كيانات ضعيفة وبعدها إعادة توزيع الموازين الكبرى في الشرق الأوسط ،بما يضمن إستمرار الهيمنة الأميركية وتحرير الأمن الإسرائيلي وخص العراق بحيز مهم جدا من هذه التوصيات ،حيث جرئ أعتباره دولة ينبغي أزاحتها من موقع الدولة القوية الموحدة المركزية الئ صيغة تقتصر الئ القدرة على التماسك والتأثير الإقليمي .
مشروع تقسيم العراق لم يكن مجرد خيار عسكري وسياسي وأقتصادي ظرفي ،بل كان جزءاً من الرؤية الإستراتيجية الطويلة الأمد المتكاملة كصيغة في الدوائر الإستراتيجية المتكاملة في دوائر صنع القرار السياسي والفكري في الولايات المتحدة الأميركية وتم تجميلها بعدة شعارات :التحرير والديمقراطية وبينما كانت هي الأهداف الحقيقية في الهندسة الجيوسياسية في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل والقوى الكبرى.
وفي 25 تشرين الثاني العام 2003. طرح الصحافي والباحث الأميركي ذاالتوجهات الصهيونية ليزلي جلب _ رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأسبق مقترحاً إستراتيجياً لتقسيم العراق وذلك في المقال الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز بعنوان حل الدول الثلاث حيث دعا “ليزلي جلب” في هذا المقال الئ تقسيم العراق الئ ثلاث كيانات شبه مستقلة علئ أساس عرقي و طائفي حيث إقليم كردي في الشمال والسني في الوسط والشيعي في الجنوب ،تحت مظلة الإتحادية ، وهو ما أطلق عليه لاحقا ووصف بالتقسيم الناعم !وفي يوم 8 تشرين الأول العام 2006. نشرت صحيفة التايمز اللندنية تقريرا أشارت فيه الئ أن _ خطة بيكر هاميلتون _ المعروفة رسميا بعنوان _ مجموعة دراسات العراق_ و تضمن في أحد بنودها طرحا غير مباشر لتقسيم العراق على الأساس العرقي والطائفي ،و كأحد الخيارات المقترحة لمعالجة الحالة من الأنفلات الأمني والأنقسام السياسي العنيف في العراق بعد الغزو الأميركي في العام 2003. و التقرير الذي أعده _ جيمس بيكر _ وزير الخارجية الأميركي الأسبق _ وولي هاميلتون العضوا في الكونغرس الأميركي الأسبق حيث صدر رسميا في شهر كانون الأول العام 2006. وهو جاء نتيجة تكليف من قبل الكونغرس الأميركي لتقديم الرؤية الإستراتيجية للخروج من المأزق العراقي ،وحظي التقرير آنذاك بقدر كبيرا جدا من الأهتمام الأقليمي و الدولي بحيث شارك في إعداده عدة شخصيات سياسية وأمنية من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي و أعتبر محاولة لأعادة الضبط ورسم السياسة الأميركية عن إتجاه العراق ،على الرغم من أن التقرير لم ينص على تقسيم العراق ولكن فتح الباب أمام نموذج من مشروع اللامركزية الكبيرة ،كخيار قابل للتطبيق مشيرا الئ أن توزيع السلطة على الأسس الإدارية و الإقليمية والتي قد يساهم في تهدئة الصراع الطائفي ،ولكن هذا الطرح فسر على نطاق واسع في الدوائر الأكاديمية والسياسية بأنه تمهيد فعلي وواقعي لتقسيم العراق إلى ثلاث كيانات شيعية و سنية و كردية.
وأن المشاريع الإسرائيلية _ الأميركية المشتركة لتقسيم العراق _ تتقسم لعدة أهداف _
أولا _ أضعاف الدولة العراقية ككيان موحد.
ثانيا _ ضمان السيطرة على ثاني أكبر إحتياطي النفط في العالم.
ثالثا _ تفكيك أي محاولة لبناء جيش مركزي قوي في منطقة الشرق الأوسط.
رابعا _ خلق توازنات قومية و عرقية و طائفية يسهل التحكم فيها من الخارج.
وهنا ينبغي الإشارة إلى أن مشروع تفكيك العالم العربي ومن ضمنها العراق ،هو واحد من الأعتبارات الإستراتيجية العميقة المرتبطة بمصالح إسرائيل والقوى الدولية وعلى راسها الولايات المتحدة الأميركية. و وفقا لهذا المنظور الحفاظ على تفوق إسرائيل السياسي والعسكري و الأمني في البيئة الإقليمية التي لا يتحقق إلا من خلال تفكيك الدول العربية المحورية الئ عدة كيانات صغيرة متناحرة قائمة على الأسس القومية و العرقية و الطائفية و الئ عدة هويات نوعية .
وهذا التصور يرئ أن الدول السياسية المركزية مصر وسورية والعراق مثل تهديدا طويل الأمد إذا ما بقيت موحدة وقوية نظرا لما تمتلكه من ثقل ديموغرافي _ وهي المقومات الأقتصادية والعمق الثقافي و التأريخي وموقع جغرافي إستراتيجي لذلك فإن تفكيك هذه الدول يعد خطوة ضرورية لإعادة رسم المنطقة الإقليمية بما يخدم المصالح السياسية و الأمنية والعسكرية “لإسرائيل،” ويسهل إدارة منطقة الشرق الأوسط من قبل القوى الدولية الكبرى عبر أنظمة محلية ضعيفة قابلة التطويع و التاطير والتوجية. ومن هذا المنطق لا ينظر إلى التفكيك بوصفة هدفا أنيا وهو إستراتيجية بعيدة المدى ،و تسعى إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط سياسيا وإجتماعا وعسكريا، وفي كل الأبعاد بحيث الصراعات الداخلية لا الخارجية وهي المحرك الرئيسي في التفاعلات بهذه المنطقة، وهو مما يفضي الئ أنشغال دائم في الأقتتال الداخلي وأنعدام الإستقرار وتأكل كل القرارات السيادية ولكن مقابل مشاريع التقسيم التي تريد العراق هشا ضعيفا.
يمتلك العراق عناصر القوة وهي _
أولا _ النفط والغاز _ حيث يمتلك العراق إحتياطي الخام بقدر 145مليار برميل ويحتل المرتبة الخامسة عالميا وحيث ينتج العراق يوميا نحو 4 _4 مليون برميل ويصدر نحو 6 _63. مليون برميل يوميا.
ثانيا _ الأرض و المياة _ يمتلك العراق السهول الخصبة على ضفاف نهري دجلة و الفرات و فضلا عن موقعة المحوري في قلب منطقة الشرق الأوسط.
ثالثا _ السكان _ يصل التعداد السكاني في العراق الئ 47 مليون نسمة. ونسبة الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 عام التي تمثل نحو 57 ٪. من السكان _ كبار السن أي نتحدث عن فئة مما فوق ال 65 عام حيث لا يتجاوزن 5 _3 ٪. مما يفتح أفاقا لتحديث والإصلاح وحيث أن هذا يعني أن البنية السكانية في العراق شابة قوية وهو مما يمنح العراق عمقا وبعدا ديمغرافيا جيدا.
رابعا _ التراث والحضارة _ العراق أرض الحضارات المتنوعة من البابلية و السومرية والأشورية وهذا الأمر يمنح العراق البعد في القوة الناعمة و علئ المستوى الثقافة والسياحة.
وكيف يبرز الدور المحوري للعراق أن يتحول إلى لاعب إقليمي يمتلك العراق كل الفرص من أجل أن يتحول إلى جسر توازن بين القوى في منطقة الشرق الأوسط إيران و تركيا و السعودية ولن العراق يمتلك العلاقات التأريخية مع هذه الدول والروابط الجغرافية و الأقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية وغيرها وفضلا عن إنفتاحه السياسي على دول الخليج العربي وهذا الموقع الوسيط الذي يؤهل العراق لن يكون جسرا دبلوماسيا لتقريب وجهات النظر وتخفيف حدة الأستقطاب في الشرق الأوسط بين إيران والدول الخليج العربي وهذا الدور تحديدا هو مما مارسه العراق عندما مهد للأتفاق الذي حصل بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية في الصين في العام 2023. من الجانب الثاني يمكن العراق أن يكون محور للنقل والطاقة وذلك بسبب موقعه الجيوسياسي المهم جدا وكما يمكن أن يمثل العراق الساحة المهمة لمشاريع الإستراتيجية الواعده في الربط البري والجوي والبحري و اللوجستي خصوصا بين الخليج العربي وأوروبا وكما يمكن للعراق أن يتحول إلى مركز عبور رئيسي لنفط والغاز والخطوط السكك الحديدية وهو مما يمنحه المكانة المحورية في معادلة الطاقة الإقليمية و الدولية ويمكن للعراق أن يكون مشارك في الفعالية الأمن الإقليمي في مكافحة الإرهاب تحديدا بعد تجربته في الحرب على تنظيم داعش الإرهابي لن قد أكتسب آنذاك الخبرات الأمنية والعسكرية الكبيرة.
يملك العراق اليوم قوات قادرة على التعامل مع التهديدات الإقليمية العابرة للحدود وهو ما يمثل الدور المحوري في التحالفات الأمنية و الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط المرتبطة في مكافحة الإرهاب.
وأن قوة العراق هو دعمه للقضية الفلسطينية سواء كان على المستوى التأريخي واليوم. والعراق من الدول القلائل التي تجرم التطبيع بحسب القانون و ذلك أن وضع قانونا في العام 2022. يجرم في أي صورة من الصور التطبيع مع العدو الإسرائيلي هذا الموقف يفضي قيمة المعنوية و السياسية في المحيط العربي والإسلامي ويعزز موقعه كفاعل رافض لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وفق المصالح الإسرائيلية _ الأميركية ويمكن للعراق أن يتحول إلى مركز أقتصادي و إستثماري يجذب أصاحب الرؤوس الأموال الإقليمية والدولية خصوصا أن العراق يمتلك الموارد البشرية وسوقا كبيرا وبنية تحتية قيد التطوير وهو مما يجعله بيئة جذابة للأستثمار خاصة في القطاعات الزراعة و الطاقة والنقل والأعمار ويمكن أن يتحول العراق إلى محور أقتصادي جديد في الشرق الأوسط ومن خطوط قوة العراق الخط الساخن للمياة وذلك إذا قام في المفاوضات مع دول الجوار وخصوصا يعتمد العراق بصورة كبيرة على نهري دجلة والفرات.
ويمتلك العراق موقعا تفاوضيا حساسا في هذا الملف ويمكنه أن يؤدي الدور في وضع الإطار القانوني الإقليمي لإدارة المياة وهو مما يجعله فاعلا مهما في أمن المياة في الشرق الأوسط.
وكما أن من أهم قوة العراق هو الجانب الديني الروحي المعتدل لما تمثله حوزة النجف الأشرف وخاصة المرجعية الدينية العليا وهي من أهم القوى الدينية في العالم العربي والإسلامي التي تمتاز بمواقفها الرافضة لتقسيم العراق في الجوانب القومية و العرقية و الطائفية وغيرها. وهذا يمنح العراق دورا يقوم على الخطاب الديني المعتدل في الشرق الأوسط والعالم ويرفض أي محاولة من محاولات الأنقسام الداخلي المدعوم خارجي.


