السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

“الكتب تُهجر لقصص تُروى على تيك توك: أزمة محتوى أم تغيير أدوات؟”

كارولين ياغي

في زحمة المقاهي البيروتية، حيث تضيع الأحاديث بين رشفات القهوة وضجيج الشارع، قلّما ترى كتابًا على الطاولة. غابت الصفحات الورقية لتحلّ مكانها شاشات مضيئة، وأصبح الإنصات لمقطع قصير على تيك توك أكثر شيوعًا من التوغّل في فصل من رواية. ليست المسألة مجرد تبدّل عادات، بل تحوّل في العمق: من يملك رواية الزمن اليوم؟ من يسرد؟ ولمن؟
لا يمكن إنكار التحوّل الجذري الذي أحدثه تيك توك، ومنصات الفيديو القصير عمومًا، في طريقة استهلاكنا للمحتوى. أصبح السرد البصري المختصر هو “الكتاب” الجديد لجيل لم يعش تفاصيل المكتبات الورقية، ولا انتظر صدور رواية بشغف ليبتلعها في ليلة واحدة. اليوم، القصة تُحكى بصوت سريع، وصورة لامعة، وموسيقى “ترند”.
لكن هل المشكلة في القارئ أم في الكُتّاب؟ هل هي أزمة محتوى أم مجرّد تبديل أدوات؟
الجواب ليس بسيطًا.
الواقع أن المحتوى الثقافي لم يختفِ، بل تغيّر شكله. كثيرون اليوم يشاركون أفكارهم العميقة عبر فيديوهات قصيرة؛ يختصرون روايات كاملة في دقيقة؛ ويلخّصون كتبًا فكرية معقّدة بطريقة تجعلها أقرب إلى الجمهور. فهل هذا يُعدّ تبسيطًا مخلًّا أم ديمقراطية معرفية؟ ربما الأمران معًا.
في لبنان، حيث كان الكتاب يومًا صديق الجيل الطالع، بات الحديث عن القراءة نوعًا من الحنين. لم تعد معارض الكتب مزدحمة، ولم نعد نرى الأطفال يحملون قصصًا صغيرة على الشاطئ. صار الهاتف هو الرفيق، والقصة تُشاهد لا تُقرأ. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل المشكلة في انصرافنا عن الكتب، أم في شكل الكتب ذاتها؟ وهل يُلام القارئ حين لا يجد نفسه في لغات صعبة لا تُشبهه، ولا في سرد بعيد عن يومياته؟
من الظلم أن نختزل هذه الظاهرة بنبرة هجومية على “الجيل الجديد”. فهم لا يرفضون المعرفة، بل يبحثون عنها بلغتهم. ومن واجبنا أن نسأل: لماذا لم نعد قادرين على ابتكار محتوى يزاوج بين العمق والبساطة وبين المتعة والمعرفة وبين الورق والشاشة؟
الكتب لم تمت. لكنها تئنّ، وتنتظر من يعيد إليها الحياة.
ربما ليس عبر إحياء الماضي، بل عبر فهم الحاضر، والكتابة بلغة هذا الجيل لا على حساب المضمون، بل على قدر شغفه.
في نهاية المطاف، ليست المعركة بين الورق والشاشة، بل بين التفرّغ للمعنى والتشتّت بين آلاف القصص السريعة. وكما كتب المؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي” يومًا:”ما من حضارة تموت قتلاً، بل غالبًا ما تموت انتحارًا”.
فهل نكون شهودًا على انتحار القراءة؟ أم صُنّاعًا لصيغة جديدة من الحكاية… تحفظ جوهرها، وتواكب زمنها؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...