في لبنان، لم نعد نحصي عدد الأزمات بل عدد المبعوثين الأميركيين الذين يمرّون بنا مرور الحجاج. كل فترة، يظهر وجه جديد بربطة عنق مختلفة، يلوّح ببيان دبلوماسي ويختفي… لنستقبل من بعده آخر لا يعرف حتى أين تقع عين التينة من السراي الحكومي.
كأنهم يتعلّمون فينا. وكأن بيروت تحوّلت إلى مختبر تدريب للمبعوثين، ومسرح تجريبي لسياسة لا نعرف إن كانت تنوي الحل أو تجيد التمثيل فقط. ما إن نبدأ بفهم اسم المبعوث، حتى يُستبدل بآخر، فتُعاد الحكاية من أولها: مائدة مازات، جولة على المسؤولين، مؤتمر صحافي مُبهم، ثم طائرة تُقلع ولا تعود.
“آموس هوكستين” الرجل الذي كان يُقدَّم لنا كعرّاب الحلول الطاقوية، تبخّر فجأة من المشهد. لم نعرف أهو أنهى مهمته أم أن المهمة أنهته. ثم أطلت علينا “مورغان أورتاغوس”، الوجه الجميل الذي شغل السياسة والإعلام أكثر مما شغل الملفات. تسابق البعض على كسب ودّها، فمنهم من دعاها إلى العشاء، ومنهم من خلط الدبلوماسية بالإعجاب، معتقداً أن “الهيبة” السياسية تمر عبر بوابة الغزل الأميركي.
وبينما اللبنانيون يتجادلون إن كانت الزيارة زيارة دعم أو ضغط أو دعابة، خرج علينا اسم جديد: “توماس باراك”، الذي قال أن لبنان قد يكون على شفير “تهديد وجودي” داعياً الدولة اللبنانية إلى التحرك العاجل لمعالجة ملف سلاح حزب الله.
لكن المفارقة أن الرجل نفسه ما لبث أن تلاشى من الصورة، حتى تم الإعلان مجدداً عن عودة أورتاغوس… وكأننا في مسلسل لا تنتهي مواسمه، ولكن تتغيّر الوجوه فقط.
والسفيرة الأميركية ليزا جونسون جاءت، شاهدت، فلم تمكث كثيرًا. وبدل أن تُبلَّغ رسميًا، علمت من الإعلام أنها تُستبدَل بميشال عيسى، فصار الحدث خبراً عاجلاً لا للسفارة بل للمواقع الإخبارية.
فما الذي يحصل فعلًا؟
هل هي لعبة كراسي موسيقية؟
أم أن “اللعنة اللبنانية” تطارد كل من يحاول مقاربة ملفاتها؟
أم أن الأميركيين قرروا أن لبنان هو أفضل مكان لتطبيق نظرية: “إذا أردت ألا تحلّ المشكلة، بدِّل المبعوث”
في الحالتين، ما نعرفه جيدًا أن الموفدين لا يأتون بالحلول، بل يذهبون بالحكايات. يزوروننا، يستمتعون بطبق التبولة، يلتقطون الصور مع مسؤولينا، يقرأون بعض الملاحظات، ويعودون إلى حيث لا أزمة كهرباء ولا عملة منهارة.
أما نحن، فنبقى هنا، نعدّ زياراتهم كما نعدّ ساعات التقنين، ونتأمّل بابتسامتهم كما نتأمّل بفاتورة الدواء.
ربما، فقط لو أرسلوا مبعوثًا لا يغيّره التقويم، ولا تُغريه فتنة الشرق، ربما كنا صدّقنا أن هناك نية فعلية للمساعدة.
لكن طالما كل مهمة تبدأ بمازات وتنتهي باعتذار مبهَم فلن نرى أكثر من “كرنفال دبلوماسي” بملامح جديدة.


