الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

المغتربون اللبنانيون… حين يصبح الحنين أقوى من الخوف

كارولين ياغي

في كل صيف، يُفتح باب من الأمل في لبنان.
لكن هذا الصيف، لا يأتي وحده.
يأتي مثقلاً بالمخاوف، محاطاً بصوت الحرب، مشبعاً بالتساؤلات: هل نجا الجنوب؟ هل اقتربت الحرب؟
ومع كل تصعيد على الحدود، ومع كل تحذير تصدره سفارة أجنبية لرعاياها، يعود الخوف ليخيم على النفوس.
وعلى الرغم من كل هذا، هناك من يشق طريقه عائداً… لا تردعه أخبار القصف، ولا تصرفه دعوات الرحيل.
إنه اللبناني المغترب، الذي لا يأتي لأن الظروف مثالية، بل لأنه لا يعرف وطناً سواه.

كل يوم، يستقبل مطار رفيق الحريري الدولي وجوهاً عائدة من بلاد بعيدة، تحجز تذكرتها على ضوء الحنين، لا المنطق.
يعودون على الرغم من التوتر، والشكوك، وكل إشارات الخطر.
يعودون لأنهم لا يحتملون أن يبدأ الصيف من دون لمسة تراب، ومن دون رائحة بيت،وعناق أمّ تنتظر على باب المطار بقلبٍ يرتجف من الفرح والخوف معاً.

منذ سنوات، أصبح المغتربون أكثر من رافعة اقتصادية.
هم شريان الحياة لبلدٍ يتداعى، ومصدر رجاء لعائلات تُربّي أبناءها على أمل “المغترب جايي.
هم الذين يزرعون الفرَح في القرى، والضوء في البيوت، والطمأنينة في قلوب أمهاتهم وآبائهم.
منهم من يأتي محمّلاً بالهدايا، ومنهم من يأتي فقط ليقول: “ما نسيتك يا لبنان”.

وفي المقابل، يرحل السياح.
تُلغى الحجوزات.
تُقفل الفنادق.
تسكن الحركة فجأة في الأسواق.
لكن المغتربين لا يرحلون.
يبقون.
بل يأتون أكثر.
لأن ما يربطهم بلبنان ليس عرضاً ترويجياً ولا موسم اصطياف.
إنه دم، وذاكرة، وهوية.
هو حبٌّ لا تُفسّره اللغة، ولا تحكمه المصلحة.

صيفٌ آخر يبدأ في لبنان، مثقل بالقلق، لكنه محمول على أكتاف هؤلاء الذين لم يتخلّوا يوماً.
فليُحفظ لهم هذا الجميل.
فليتذكرهم من في الداخل حين يضيق العيش وتشتد العتمة، أن هناك من عبر القارات فقط ليقول: لبنان بعدو بيستاهل.

وجودهم ليس فقط إنعاشاً للاقتصاد.
هو فعل حبّ.
هو مقاومة من نوع آخر.
مقاومة للغربة، للخوف، لليأس.
وفي وطنٍ تُهدده الحروب والنسيان، هؤلاء العائدون كل صيف هم ببساطة… الأمل.

فلنُحسن استقبالهم، لا بالشعارات، بل بالكرامة.
لا نريد لهم طوابير في المطار، ولا بيروقراطية مُهينة، ولا نظرات استغلال.
هؤلاء العائدون يستحقون أن يُعاملوا كما يُعامل الأوفياء، لا كحساب مصرفي متحرّك.
هم ليسوا مجرد «مورد مالي» ننتظره كل صيف، بل ركن من أركان هذا الوطن، وصوت الضمير الذي لم يسكت على الرغم من البعد.

وإلى الدولة، نقول: آن الأوان أن يكون للمغترب اللبناني مكان في القرار، لا فقط في الدفع.
أن يُصغى إلى صوته، أن يُحصى في الانتخابات، أن يُستشار في السياسات، لأنه أثبت أنه الأكثر التزاماً، حتى وهو على بُعد آلاف الأميال.

وإلى المجتمع، نقول: لا تنظروا إليهم كغرباء عائدين مؤقتاً.
هم منكم، يحملون الحنين في حقائبهم، ويأتون بكل ما تبقّى من حبّ لهذا الوطن.
وجودهم بيننا، في هذا الزمن الصعب، هو شهادة على أن لبنان لم يمت بعد…
فاحفظوا لهم هذا الجميل، وكونوا على قدر وفائهم.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نائب الغلابة.. عمرو رشاد يتكفل بسداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين بالجيزة

أعلن المهندس عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وعضو لجنة القيم، ورئيس قطاع وسط الجيزة بحزب حماة الوطن، إطلاق مبادرة «إحنا أهل»، للتكفل بسداد...

الكتاب الذي منعت أميركا نشره

كاتبه جون بيركنز لم يكن صحفيا، كان موظفا رسميا في شركة اسمها MAIN العملاقة. هذه الشركة واجهة لوكالة الامن القومي NSA. وظيفته في البطاقة: خبير اقتصادي كبير. وظيفته الحقيقية: قاتل...

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... الحرب التي تجمع ترامب ونتنياهو وتفرقهما.

تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة. فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين...

كفررمان والجنوب... هل هؤلاء بنية تحتية؟

تسعة أسماء. بينهم أطفال ونساء. سقطوا في مجزرة بلدة كفررمان الجنوبية: محمد نعيم فرحات، حسن وحسين ومحمد وفاطمة فرحات، زهراء أيوب، والأطفال مريم وعبدالله وعباس فرحات. هل هؤلاء...

المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

المنظومة الدولية التي وُلدت بخطيئة الازدواجية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون،...

هل كان سيد قطب مؤسس جماعة الإخوان المسلمين مفكر عظيم أم إرهابي كبير

أصدر ويلفر كرين ضابط المخابرات الأميركية كتابه ” حبال من رمال ” سنة 1948 بتاريخ حرب فلسطين ، فخاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ...