الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

المغتربون اللبنانيون… حين يصبح الحنين أقوى من الخوف

كارولين ياغي

في كل صيف، يُفتح باب من الأمل في لبنان.
لكن هذا الصيف، لا يأتي وحده.
يأتي مثقلاً بالمخاوف، محاطاً بصوت الحرب، مشبعاً بالتساؤلات: هل نجا الجنوب؟ هل اقتربت الحرب؟
ومع كل تصعيد على الحدود، ومع كل تحذير تصدره سفارة أجنبية لرعاياها، يعود الخوف ليخيم على النفوس.
وعلى الرغم من كل هذا، هناك من يشق طريقه عائداً… لا تردعه أخبار القصف، ولا تصرفه دعوات الرحيل.
إنه اللبناني المغترب، الذي لا يأتي لأن الظروف مثالية، بل لأنه لا يعرف وطناً سواه.

كل يوم، يستقبل مطار رفيق الحريري الدولي وجوهاً عائدة من بلاد بعيدة، تحجز تذكرتها على ضوء الحنين، لا المنطق.
يعودون على الرغم من التوتر، والشكوك، وكل إشارات الخطر.
يعودون لأنهم لا يحتملون أن يبدأ الصيف من دون لمسة تراب، ومن دون رائحة بيت،وعناق أمّ تنتظر على باب المطار بقلبٍ يرتجف من الفرح والخوف معاً.

منذ سنوات، أصبح المغتربون أكثر من رافعة اقتصادية.
هم شريان الحياة لبلدٍ يتداعى، ومصدر رجاء لعائلات تُربّي أبناءها على أمل “المغترب جايي.
هم الذين يزرعون الفرَح في القرى، والضوء في البيوت، والطمأنينة في قلوب أمهاتهم وآبائهم.
منهم من يأتي محمّلاً بالهدايا، ومنهم من يأتي فقط ليقول: “ما نسيتك يا لبنان”.

وفي المقابل، يرحل السياح.
تُلغى الحجوزات.
تُقفل الفنادق.
تسكن الحركة فجأة في الأسواق.
لكن المغتربين لا يرحلون.
يبقون.
بل يأتون أكثر.
لأن ما يربطهم بلبنان ليس عرضاً ترويجياً ولا موسم اصطياف.
إنه دم، وذاكرة، وهوية.
هو حبٌّ لا تُفسّره اللغة، ولا تحكمه المصلحة.

صيفٌ آخر يبدأ في لبنان، مثقل بالقلق، لكنه محمول على أكتاف هؤلاء الذين لم يتخلّوا يوماً.
فليُحفظ لهم هذا الجميل.
فليتذكرهم من في الداخل حين يضيق العيش وتشتد العتمة، أن هناك من عبر القارات فقط ليقول: لبنان بعدو بيستاهل.

وجودهم ليس فقط إنعاشاً للاقتصاد.
هو فعل حبّ.
هو مقاومة من نوع آخر.
مقاومة للغربة، للخوف، لليأس.
وفي وطنٍ تُهدده الحروب والنسيان، هؤلاء العائدون كل صيف هم ببساطة… الأمل.

فلنُحسن استقبالهم، لا بالشعارات، بل بالكرامة.
لا نريد لهم طوابير في المطار، ولا بيروقراطية مُهينة، ولا نظرات استغلال.
هؤلاء العائدون يستحقون أن يُعاملوا كما يُعامل الأوفياء، لا كحساب مصرفي متحرّك.
هم ليسوا مجرد «مورد مالي» ننتظره كل صيف، بل ركن من أركان هذا الوطن، وصوت الضمير الذي لم يسكت على الرغم من البعد.

وإلى الدولة، نقول: آن الأوان أن يكون للمغترب اللبناني مكان في القرار، لا فقط في الدفع.
أن يُصغى إلى صوته، أن يُحصى في الانتخابات، أن يُستشار في السياسات، لأنه أثبت أنه الأكثر التزاماً، حتى وهو على بُعد آلاف الأميال.

وإلى المجتمع، نقول: لا تنظروا إليهم كغرباء عائدين مؤقتاً.
هم منكم، يحملون الحنين في حقائبهم، ويأتون بكل ما تبقّى من حبّ لهذا الوطن.
وجودهم بيننا، في هذا الزمن الصعب، هو شهادة على أن لبنان لم يمت بعد…
فاحفظوا لهم هذا الجميل، وكونوا على قدر وفائهم.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...