الإثنين، 8 يونيو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

المغتربون اللبنانيون… حين يصبح الحنين أقوى من الخوف

كارولين ياغي

في كل صيف، يُفتح باب من الأمل في لبنان.
لكن هذا الصيف، لا يأتي وحده.
يأتي مثقلاً بالمخاوف، محاطاً بصوت الحرب، مشبعاً بالتساؤلات: هل نجا الجنوب؟ هل اقتربت الحرب؟
ومع كل تصعيد على الحدود، ومع كل تحذير تصدره سفارة أجنبية لرعاياها، يعود الخوف ليخيم على النفوس.
وعلى الرغم من كل هذا، هناك من يشق طريقه عائداً… لا تردعه أخبار القصف، ولا تصرفه دعوات الرحيل.
إنه اللبناني المغترب، الذي لا يأتي لأن الظروف مثالية، بل لأنه لا يعرف وطناً سواه.

كل يوم، يستقبل مطار رفيق الحريري الدولي وجوهاً عائدة من بلاد بعيدة، تحجز تذكرتها على ضوء الحنين، لا المنطق.
يعودون على الرغم من التوتر، والشكوك، وكل إشارات الخطر.
يعودون لأنهم لا يحتملون أن يبدأ الصيف من دون لمسة تراب، ومن دون رائحة بيت،وعناق أمّ تنتظر على باب المطار بقلبٍ يرتجف من الفرح والخوف معاً.

منذ سنوات، أصبح المغتربون أكثر من رافعة اقتصادية.
هم شريان الحياة لبلدٍ يتداعى، ومصدر رجاء لعائلات تُربّي أبناءها على أمل “المغترب جايي.
هم الذين يزرعون الفرَح في القرى، والضوء في البيوت، والطمأنينة في قلوب أمهاتهم وآبائهم.
منهم من يأتي محمّلاً بالهدايا، ومنهم من يأتي فقط ليقول: “ما نسيتك يا لبنان”.

وفي المقابل، يرحل السياح.
تُلغى الحجوزات.
تُقفل الفنادق.
تسكن الحركة فجأة في الأسواق.
لكن المغتربين لا يرحلون.
يبقون.
بل يأتون أكثر.
لأن ما يربطهم بلبنان ليس عرضاً ترويجياً ولا موسم اصطياف.
إنه دم، وذاكرة، وهوية.
هو حبٌّ لا تُفسّره اللغة، ولا تحكمه المصلحة.

صيفٌ آخر يبدأ في لبنان، مثقل بالقلق، لكنه محمول على أكتاف هؤلاء الذين لم يتخلّوا يوماً.
فليُحفظ لهم هذا الجميل.
فليتذكرهم من في الداخل حين يضيق العيش وتشتد العتمة، أن هناك من عبر القارات فقط ليقول: لبنان بعدو بيستاهل.

وجودهم ليس فقط إنعاشاً للاقتصاد.
هو فعل حبّ.
هو مقاومة من نوع آخر.
مقاومة للغربة، للخوف، لليأس.
وفي وطنٍ تُهدده الحروب والنسيان، هؤلاء العائدون كل صيف هم ببساطة… الأمل.

فلنُحسن استقبالهم، لا بالشعارات، بل بالكرامة.
لا نريد لهم طوابير في المطار، ولا بيروقراطية مُهينة، ولا نظرات استغلال.
هؤلاء العائدون يستحقون أن يُعاملوا كما يُعامل الأوفياء، لا كحساب مصرفي متحرّك.
هم ليسوا مجرد «مورد مالي» ننتظره كل صيف، بل ركن من أركان هذا الوطن، وصوت الضمير الذي لم يسكت على الرغم من البعد.

وإلى الدولة، نقول: آن الأوان أن يكون للمغترب اللبناني مكان في القرار، لا فقط في الدفع.
أن يُصغى إلى صوته، أن يُحصى في الانتخابات، أن يُستشار في السياسات، لأنه أثبت أنه الأكثر التزاماً، حتى وهو على بُعد آلاف الأميال.

وإلى المجتمع، نقول: لا تنظروا إليهم كغرباء عائدين مؤقتاً.
هم منكم، يحملون الحنين في حقائبهم، ويأتون بكل ما تبقّى من حبّ لهذا الوطن.
وجودهم بيننا، في هذا الزمن الصعب، هو شهادة على أن لبنان لم يمت بعد…
فاحفظوا لهم هذا الجميل، وكونوا على قدر وفائهم.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...