في العلوم العسكرية، لا تُقاس قيمة أي ترتيبات أمنية بالشعارات التي ترافقها، وإنما بمدى اقترابها من تحقيق الهدف الاستراتيجي الأعلى للدولة. وفي الحالة اللبنانية، لا يوجد هدف أعلى من استعادة الدولة سيادتها الكاملة على أرضها وحدودها، بحيث تصبح المؤسسة العسكرية الوطنية وحدها صاحبة القرار التنفيذي في إدارة الأمن والدفاع ضمن إطار الدستور والقانون.
من هذا المنطلق، يثير الحديث عن إنشاء ما يسمى بـ”المناطق التجريبية” في الجنوب اللبناني أسئلة استراتيجية تتجاوز الجانب الإجرائي، لتصل إلى جوهر مفهوم السيادة الوطنية. فإذا كانت هذه المناطق لا تشمل في معظمها أراضٍ لا تزال تحت الاحتلال، فإنها لا تمثل بحد ذاتها مؤشراً على تغير في الواقع العسكري القائم، بل تبدو أقرب إلى تجربة أمنية محدودة لا تمس جوهر المشكلة، وهو استمرار وجود قوات إسرائيلية في أجزاء من الأراضي اللبنانية.
عسكرياً، تُستخدم المناطق التجريبية عادة لاختبار إجراءات القيادة والسيطرة، وكفاءة الانتشار، وآليات التنسيق بين القوى الأمنية والعسكرية، قبل تعميم نموذج معين على مساحة أوسع. إلا أن نجاح هذا النوع من التجارب يفترض توافر شرطين أساسيين:
-أن يكون الهدف النهائي محدداً وواضحاً.
-وأن تكون هناك إرادة سياسية متفق عليها لتنفيذ هذا الهدف.
أما إذا غاب هذان الشرطان، فإن التجربة قد تتحول إلى إجراء إداري محدود لا يغيّر موازين الواقع الاستراتيجي.
ومن منظور التخطيط العملياتي، فإن أي ترتيب أمني لا يؤدي في نهاية المطاف إلى انتقال فعلي للسيادة التنفيذية إلى الجيش اللبناني يظل ترتيباً ناقصاً، لأن السيطرة العسكرية ليست مجرد
-انتشار وحدات.
او
-إقامة نقاط مراقبة.
بل هي
-امتلاك حرية القرار، -حرية الحركة.
و
-احتكار استخدام القوة المشروعة داخل الإقليم الوطني.
وهذه العناصر تشكل جوهر مفهوم السيادة في الفكر العسكري الحديث.
ومن هنا، يبرز أحد أكثر التحديات حساسية. فإذا طُلب من الجيش اللبناني تنفيذ إجراءات أمنية مع استمرار وجود قيود خارجية على حركته أو على نطاق مسؤولياته، فإن ذلك قد يضع المؤسسة العسكرية أمام معادلة معقدة. فالجيش، بحكم عقيدته الوطنية، مطالب بالحفاظ على الأمن والاستقرار، لكنه في الوقت نفسه مطالب بالحفاظ على علاقته الطبيعية مع المواطنين الذين يمثلون بيئته الاجتماعية والوطنية.
وكلما غاب الوضوح في الأهداف السياسية، ازدادت احتمالات وقوع احتكاكات غير مرغوبة نتيجة اختلاف تفسير المهمات أو توقعات السكان المحليين.
غير أن تحويل هذا الاحتمال إلى نتيجة حتمية، أو اعتبار أن الغاية من المناطق التجريبية هي دفع الجيش إلى مواجهة مواطنيه، يبقى استنتاجاً يحتاج إلى أدلة مباشرة، ولا يمكن الجزم به من الناحية الأكاديمية. فالتخطيط العسكري الرشيد يقوم ، على العكس، على تقليل فرص الاحتكاك بين القوات النظامية والسكان المحليين، لأن أي تصدع في العلاقة بين الجيش والمجتمع ينعكس سلباً على الأمن الوطني وعلى قدرة الدولة على فرض الاستقرار.
وتاريخياً، أثبتت الخبرات العسكرية أن الجيوش الوطنية تحقق أعلى درجات النجاح عندما تكون مهمتها واضحة وغير قابلة للتأويل، وعندما تستند إلى غطاء سياسي كامل، وقواعد اشتباك محددة، وسلسلة قيادة مستقلة، بعيداً عن تضارب المرجعيات أو تعدد مراكز القرار. أما تكليف الجيش بمهام أمنية في ظل بيئة سياسية غير مستقرة أو أهداف استراتيجية غير محسومة، فيحمل مخاطر مهنية ومؤسسية، لأنه قد يضعه في موقع إدارة التناقضات السياسية بدلاً من التركيز على وظيفته العسكرية الأساسية.
ومن زاوية نظريات العلاقات الدولية، يمكن قراءة هذه الحالة من خلال المدرسة الواقعية، التي تفترض أن الاعتبارات الأمنية للدول غالباً ما تتقدم على الاعتبارات السياسية، وأن الثقة بين الخصوم تكون محدودة، مما يؤدي إلى اعتماد ترتيبات انتقالية واختبارات ميدانية قبل الإقدام على خطوات استراتيجية كبرى، مثل الانسحاب أو إعادة الانتشار. وفي المقابل، يفسر مفهوم معضلة الأمن استمرار التردد في تنفيذ ترتيبات نهائية عندما يفتقر كل طرف إلى الثقة في نوايا الطرف الآخر، حتى لو كانت الإجراءات المعلنة ذات طابع دفاعي.
غير أن نجاح أي ترتيبات انتقالية يبقى مرتبطاً بوجود أفق سياسي واضح. فإذا تحولت الإجراءات المؤقتة إلى حالة دائمة، فإنها تفقد قيمتها الاستراتيجية، لأنها تصبح إدارةً للأزمة بدلاً من أن تكون طريقاً إلى حلها.
ومن منظور عسكري بحت، فإن معيار الجدية لا يقاس بعدد المناطق التجريبية، ولا بعدد نقاط الانتشار، وإنما بمجموعة مؤشرات عملية، أبرزها:
-انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال خاضعة للاحتلال.
-انتقال المسؤولية الأمنية والتنفيذية إلى الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة العسكرية الشرعية للدولة.
-تمكين الجيش من ممارسة مهامه وفق القرار الوطني اللبناني والقانون، بما يضمن استقلالية قراره المهني ضمن الشرعية الدستورية.
-اعتماد جدول زمني واضح ومعلن لتنفيذ أي ترتيبات انتقالية، بحيث تكون الإجراءات الأمنية وسيلة للوصول إلى السيادة الكاملة، لا بديلاً عنها.
-توفير ضمانات وآليات متابعة تضمن تنفيذ الالتزامات المتبادلة وتمنع تحول التدابير المؤقتة إلى واقع دائم.
-إن الدولة لا تُقاس بسيطرتها على المناطق الآمنة فقط، وإنما بقدرتها على بسط سلطتها على كامل إقليمها دون استثناء. ولذلك، فإن أي نموذج أمني لا يقود إلى استعادة السيادة الكاملة يظل، من الناحية الاستراتيجية، مرحلة انتقالية لا يجوز التعامل معها باعتبارها نهاية المسار.
وفي النهاية، يبقى الجيش اللبناني، كغيره من الجيوش الوطنية، مؤسسة يفترض أن تُصان من التوظيف السياسي وأن تُمنح مهاماً واضحة قابلة للتنفيذ، لأن قوة الجيش لا تُبنى فقط على السلاح والانضباط، بل أيضاً على وضوح المهمة، ووحدة القرار السياسي، وثقة المواطنين به. وعندما تلتقي هذه العناصر مع انسحاب كامل للقوات المحتلة ،من الأراضي اللبنانية الجنوبية، تتحقق المعادلة التي تشكل الهدف النهائي لأي دولة ذات سيادة:
أن تكون السلطة الأمنية والعسكرية على كامل ارض الوطن بيد مؤسساتها الشرعية، ووفق قرارها الوطني المستقل.


