يعيش لبنان هذه الفترة على وقع تطورات المنطقة المتسارعة. فكل ما يحدث في غزة يترك أثره المباشر عليه، ليس فقط بسبب القرب الجغرافي، بل نتيجة الترابط السياسي والعسكري العميق الذي أصبح جزءًا من واقعه.
ومع ذلك، يرى كثيرون في اتفاق غزة المنتظر مؤشّرًا إلى “حسم لبناني” يلوح في الأفق، وربما إلى تحوّلات كبيرة قد تعيد تشكيل المشهد الإقليمي بأسره.
يقف لبنان على أبواب مرحلة حسّاسة، يسودها الغموض وانعدام اليقين.
يعتقد البعض أن نهاية الحرب في غزة لن تعني بالضرورة توقف المواجهة، بل قد تمهّد لانتقالها إلى الساحة اللبنانية بوتيرة أشد. “فإسرائيل”، كما تشير التحليلات، لا تبدو عازمة على مغادرة القطاع فعليًا، بل تستعد للبقاء فيه من خلال إدارة مدنية بإشراف أميركي ،قد تظهر فيه بصمات دونالد ترامب، إيذانًا بمرحلة جديدة من بسط النفوذ في المنطقة والجميع يعلم أن ما يُدوَّن على الورق في الشرق الأوسط غالبًا ما تطيح به رياح الميدان.
أما لبنان، الذي تشتعل حدوده الجنوبية منذ عام، فيشعر أن دوره لم يُستكمل بعد، وكأن الحرب مؤجلة بانتظار إشارة الانطلاق بعد غزة. الناس أنهكتهم حالة الانتظار، لكنهم يدركون أن مصيرهم مرتبط بما يجري من حولهم في فلسطين وسورية ، بل وحتى في أوكرانيا.
فالمنطقة برمّتها تتحرّك على إيقاع توتّر عالمي متصاعد. الطائرات المسيّرة التي تخترق أجواء الناتو، والمعارك المشتعلة في شرق أوروبا، والتكهنات حول اقتراب نهاية مرحلة بوتين، جميعها دلائل على عالم يتغيّر بسرعة مذهلة. ومن قلب هذه التحوّلات تولد خرائط جديدة.
أما في سورية ، فتتزايد الجهود لإعادة توزيع موازين النفوذ، وسط أحاديث متنامية عن خطوات لإبعاد الدور الروسي تدريجيًا. وفي خضمّ ذلك، يبدو لبنان مرة أخرى ساحة اختبار بين القوى المتنافسة، ومعبرًا لا مفرّ منه لأي تسوية أو مواجهة تلوح في الأفق.
ما يمرّ به لبنان اليوم لا يمكن اعتباره أزمة داخلية فحسب، فكلما بدا أن الأوضاع تتجه نحو التهدئة، يظهر تطور جديد يعيد التذكير بأن استقرار المنطقة هش، وأن الحرب بأشكالها المتعددة لم تبارح المشهد بعد.
وربما نكون أمام مرحلة يُعاد فيها رسم الأدوار وتبديل التحالفات.
لكن هل سيتمكّن لبنان من الحفاظ على توازنه في خضم التحوّلات الكبرى..
أم أنه سيجد نفسه، الساحة التي تُكتب فيها فصول النهايات والبدايات معًا؟


