لماذا بقيَ بنيامين نتنياهو في السلطة في إسرائيل طوال هذا الوقت؟ تفسّر التفسيرات الشائعة بأن هذا يعود إلى مهاراته السياسية، وضعف خصومه، والتحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي. لكن هناك تفسيراً أعمق من ذلك؛ لقد تزامنت مسيرة نتنياهو السياسية، بشكل يكاد يكون تاماً، مع حقبة العالم الأحادي القطب، حين كانت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم.
• في عالم كهذا، كانت أهم سِمة يجب أن يتحلى بها رئيس حكومة إسرائيل هي القدرة على العمل والتأثير في واشنطن. وكانت غولدا مئير تروي كثيراً عن طفولتها في ميلووكي، بينما وصل يتسحاق رابين إلى رئاسة الحكومة، بعد أن شغل منصب سفير إسرائيل في الولايات المتحدة؛ أمّا نتنياهو، فنشأ في الولايات المتحدة، وأتقن لغتها، وعرف ثقافتها السياسية من الداخل، فحوّل هذا الامتياز إلى جزء أساسي من هويته السياسية، وعندما كان يقدّم نفسه على أنه “يعرف أميركا”، أو “زعيم من جيل آخر”، لم تكن تلك مجرد شعارات انتخابية، بل كانت تعبيراً عن الميزة التي منحه إياها النظام العالمي السائد آنذاك.
• من نواحٍ كثيرة، ومثلما جعلت سياسات نتنياهو إسرائيل امتداداً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أصبح نتنياهو نفسه امتداداً للولايات المتحدة داخل إسرائيل. وكانت هذه أهم المؤهلات التي يمكن أن يقدمها أي قائد إسرائيلي طالما بقيت واشنطن مركز الثقل في النظام الدولي.
• لقد منح العالم الأحادي القطب الولايات المتحدة أندر امتياز في السياسة الدولية: الحق في ارتكاب الأخطاء، فكل قوة عظمى تخطئ، لكن عندما لا يوجد منافس قادر على استغلال تلك الأخطاء، فإن القرارات الخاطئة لا تغيّر ميزان القوى؛ لذلك استطاعت الولايات المتحدة خوض حروب طويلة الأمد، والاحتفاظ بمئات القواعد العسكرية حول العالم، وتمويل النظام الدولي، وفي الوقت نفسه، تقديم دعم غير مشروط تقريباً لإسرائيل، حتى عندما لم يكن ذلك منسجماً مع المصالح الأميركية. فطالما لا توجد قوة منافِسة تواجه الولايات المتحدة، تبقى أميركا تتمتع بهامش واسع من الخطأ؛ إذ كان في إمكانها تحمّل تكلفة أخطائها الاستراتيجية من دون أن يهتز موقعها، بصفتها قائدة للنظام العالمي.
• كذلك كانت العلاقات الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة، هي الأخرى، نتاجاً لذلك النظام العالمي؛ لقد بُنيَ التحالف الاستراتيجي بين البلدين، بالتدريج، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، مع تزويد إسرائيل بطائرات سكاي هوك في سنة 1968، ثم تعمّق بعد الجسر الجوي للمساعدات العسكرية خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973. غير أن هذا التحالف بلغ ذروته فقط بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وفي تلك السنوات، بلغ أيضاً نفوذ جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، أيباك (AIPAC)، أقصى درجاته. ولم يكن ذلك لأن اللوبي نفسه تغيّر، بل لأنه كان يعمل داخل نظام دولي امتلكت فيه الولايات المتحدة ما يكفي من القوة، والأهم، ما يكفي من هامش الخطأ، لتقديم دعم غير محدود تقريباً لإسرائيل من دون أن تدفع ثمناً استراتيجياً لذلك.
• كان نتنياهو الزعيم الذي انسجمت مزاياه أكثر من أي شخص آخر مع تلك الظروف، لذلك استطاع البقاء في الحياة السياسية مدة أطول من جميع منافسيه، فضلاً عن أن سياساته استندت إلى الواقع نفسه. وكان إصراره، غير القابل للمساومة، على دفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران أبرز تجسيد لهذا النهج. وكان خطابه أمام الكونغرس في سنة 2015، الذي ألقاه من دون موافقة الرئيس باراك أوباما، وبخلاف موقف إدارته، مقامرة سياسية غير مسبوقة.
• كان نتنياهو مستعداً للوقوف إلى جانب المعسكر المحافظ في الولايات المتحدة، الذي أخذت تنمو على أطرافه أيضاً تيارات من القومية البيضاء، وأن يخاطر بمواجهة علنية مع أول رئيس أميركي أسود في تاريخ الولايات المتحدة، لأنه افترض أن التحالف الاستراتيجي بين البلدين متين بما يكفي لتحمُّل الاستقطاب الآخذ في الازدياد داخل السياسة الأميركية.
• وعندما تبنّت إدارة ترامب موقف نتنياهو في سنة 2018، وانسحبت من الاتفاق النووي، بدا كأن تلك المقامرة نجحت. لقد اعتمدت الولايات المتحدة سياسة اقتربت إلى حدّ كبير من رؤية الحكومة الإسرائيلية للعالم، انطلاقاً من الافتراض أن تداعياتها ستكون محتملة. ولم يكن هذا القرار ممكناً لأنه خالٍ من المخاطر، بل لأن القوة المهيمِنة كانت تعتقد أن لديها هامشاً واسعاً من الخطأ يمكّنها من تحمّل تكلفته.
• غير أن الظروف التي جعلت من نتنياهو الزعيم الأنسب لم تعُد قائمة. فأظهرت الحرب مع إيران أن الولايات المتحدة لم تعُد تمتلك هامش الحركة الذي تمتعت به طوال العقود الثلاثة التي أعقبت حرب الخليج. وليس من قبيل المصادفة أن يختار روبرت كاغان، المنظّر الأكثر ارتباطاً بالمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، وبفكرة الهيمنة الأميركية، عنوان “كش مات في إيران” لمقاله الذي نشره بعد الحرب في مجلة “ذا أتلانتيك”، فلم يكن ذلك اعترافاً بالهزيمة في الحرب بقدر ما كان إقراراً من أحد أبرز منظّري الهيمنة الأميركية بأن اللحظة الأحادية القطبية انتهت.
• لقد تقلّص هامش الخطأ المتاح لواشنطن بصورة كبيرة في مواجهة الصين وروسيا والهند وقوى إقليمية أُخرى؛ فأي قرار يُتخذ في الشرق الأوسط بات اليوم يؤثر في التنافس مع بكين، وفي العلاقات مع موسكو، وفي أسواق الطاقة، وفي ميزان القوى العالمي، وربما يترتب عليه ثمن باهظ. ولم تعُد الولايات المتحدة قادرة على التعامل مع الشرق الأوسط، باعتباره ساحة منفصلة؛ فكل خطوة تُقاس الآن، باعتبارها جزءاً من صراع عالمي أوسع.
• والمفارقة أن الحرب التي كان الهدف منها كبح إيران تنتهي في وقتٍ أصبحت إيران أقرب من أي وقت مضى إلى ترسيخ مكانتها كقوة مهيمِنة إقليمياً في منطقة الخليج العربي. وهذه هي بالضبط دلالة تقلّص هامش الخطأ: فالخطوة التي أوحت في بدايتها بأن الولايات المتحدة قادرة على تشكيل العالم وفق إرادتها، ساهمت في الواقع في تسريع تآكل هامش الخطأ الذي كانت تتمتع به.
• طوال أعوام، بدا الأمر كأننا أمام أربع ظواهر منفصلة: الهيمنة الأميركية على العالم، والعلاقات الخاصة مع إسرائيل، والنفوذ الكبير للّوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، وصعود نتنياهو إلى السلطة، لكن الحقيقة أن هذه الظواهر الأربع كانت جميعها تعبيراً عن النظام العالمي نفسه؛ فالهيمنة الأميركية هي التي أتاحت قيام العلاقات الخاصة، وهذه العلاقات عززت نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل، وجميع هذه العوامل مجتمعةً هي التي خلقت الظروف التي جعلت من نتنياهو الزعيم الأنسب لإسرائيل.
• بدوره، كان هذا النظام يقترب من نهايته؛ فعندما يُنهي دونالد ترامب ولايته في سنة 2028، تمضي ستون عاماً على انطلاق التحالف الخاص بين الولايات المتحدة وإسرائيل، الذي بدأ مع تزويد إسرائيل بطائرات سكاي هوك في سنة 1968. وعلى مدى نحو ستة عقود، استند هذا التحالف إلى القوة غير المسبوقة للولايات المتحدة، وإلى هامش الخطأ الواسع الذي كانت تتمتع به.
• وتحمل هذه التحولات دلالات عميقة بالنسبة إلى إسرائيل؛ لقد تغيّرت البيئة الدولية، وكحال الطبيعة، عندما تتغير البيئة، تتغير أيضاً الصفات اللازمة للبقاء. ففي عالم أحادي القطب، كان نتنياهو الزعيم الأكثر ملاءمةً لإسرائيل؛ أمّا في عالم متعدد الأقطاب، فلن ينجح إلّا قائد يمتلك مهارات مختلفة، قائد تتكيف ثقافته السياسية مع تعدّد مراكز القوة، لا مع عالم كانت فيه واشنطن وحدها هي التي تحدد قواعد اللعبة.
• لقد انتهى عصر العالم الأحادي القطب، ومعه انتهى عهد نتنياهو


