الإثنين، 25 مايو 2026
بيروت
20°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين هدنة الإقليم وقلق الداخل… لبنان معلّق على الصفقة الكبرى

كارولين ياغي

في لبنان، لا تصل الأخبار السياسية كوقائع عادية. فكل تسريب يشبه إنذاراً مبكراً، وكل تصريح إقليمي يتحوّل فوراً إلى مادة قلق يومي: هل الحرب عائدة؟ أم أن المنطقة تتجه أخيراً نحو تسوية طويلة الانتظار؟
خلال الأيام السابقة، ظهرَ المشهد اللبناني كأنه معلّق بين احتمالين متناقضين: تصعيد إسرائيلي مفتوح جنوباً، أو اتفاق أميركي إيراني واسع قد يغيّر شكل المنطقة بالكامل. وبين الاحتمالين، يقف اللبنانيون مجدداً في موقع المتفرّج القَلِق، فيما تُدار مصائرهم على طاولات تفاوض خارج الحدود.
تواصل إسرائيل الضغط العسكري والنفسي معاً من غارات الى إنذارات إخلاء لبلدات في الجنوب والبقاع الغربي، ورسائل ميدانية تقول بوضوح إن تل أبيب لا تعتبر الجبهة اللبنانية منفصلة عمّا يجري في غزة والمنطقة. وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير إسرائيلية عن حدود أمنية جديدة تمتد داخل أراضٍ في غزة وسورية ولبنان مما يعكس ذهنية أمنية أكثر تشدداً بعد الحرب.
لكن وراء الدخان، ثمّة مسار آخر يتحرّك بهدوء: مفاوضات أميركية إيرانية تبدو هذه المرة أكثر جدية من الجولات السابقة. فالحديث لم يعد يقتصر على الملف النووي فقط، بل يتوسّع نحو ترتيبات إقليمية تشمل أمن الملاحة في مضيق هرمز، وهدنة طويلة وربما إنهاء الحرب على أكثر من جبهة، بينها لبنان.
فالكلام عن تفاهم يشمل إنهاء الحرب بين “إسرائيل “وحزب الله لم يعد يُطرح همساً في الكواليس، بل بدأ يظهر تدريجياً في الإعلام الأميركي والإسرائيلي، وكأن هناك محاولة تمهيد للرأي العام قبل أي إعلان محتمل.
وفي هذا الإطار حملت رسالة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الأمين العام لـحزب الله نعيم قاسم دلالات تتجاوز البعد المعنوي. فهي شددت على أن طهران لن تتخلى عن دعم الحزب ،وأوحت في الوقت نفسه بأن لبنان حاضر على طاولة التفاوض، وأن أي اتفاق إقليمي لن يتجاهل وضع الجبهة الجنوبية.
الأخطر أن الداخل اللبناني نفسه يبدو غير جاهز بعد لأي تحوّل كبير. فالدولة لا تزال غارقة في أزمتها المالية، فيما يترقب المودعون تمديد العمل بالتعميمين 158 و166 خشية توقف دفعات الدولار النقدي. وحتى هذا الملف المعيشي الحساس بات مرتبطاً بشكل غير مباشر بمصير الاستقرار السياسي والأمني، لأن أي اهتزاز واسع قد يطيح بما تبقى من قدرة المؤسسات على احتواء الانهيار.
وفي موازاة الترقب الإقليمي، يدخل لبنان مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب الاجتماعات التنسيقية الأمنية العسكرية بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية في مقر وزارة الدفاع (البنتاغون) فللمرة الأولى منذ سنوات، لا يقتصر النقاش على وقف النار فقط، بل يمتد نحو أفكار تتعلق بترتيبات أمنية طويلة الأمد، تبدأ من الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ولا تنتهي عند ملف سلاح حزب الله وحصرية القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية.
إذاً
قد تكون المنطقة متجهة نحو تسويات، لكن السؤال اللبناني الداخلي ما زال معلّقاً: هل يستطيع لبنان الانتقال من مرحلة توازن الردع إلى مرحلة الدولة الكاملة؟ وهل يسمح الإقليم بذلك أساساً، أم أن لبنان سيبقى ساحة مؤقتة للهدن المؤجلة؟
في الشارع اللبناني، لا أحد يملك ترف التحليل البارد. الناس تقرأ الأخبار بعين الخوف لا السياسة، الجنوبي الذي يسمع صوت الغارات لا يعنيه كثيراً شكل الاتفاق النووي، بقدر ما يعنيه إن كان سيستيقظ غداً على إنذار جديد، والمودع الذي ينتظر حصته الشهرية بالدولار لا يفكر بمضيق هرمز، بل بما إذا كان سيتمكن من دفع قسط المدرسة أو فاتورة المولد.
وربما هذه هي المأساة اللبنانية الدائمة: أن البلاد غالباً لا تعرف مصيرها من داخلها، بل من اتجاه الرياح الإقليمية

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

أفندينا يبيع مصر حلم بها مثل أوروبا فأسقطها في قبضة الأوروبيين

حاكم نصفه فرعون ونصفه هارون الرشيد ذكي وشديد الغباء ، أمير المسرفين ومقتر يحاسب على القرش ، طاغية مستبد وينشئ أول مجلس نيابي … هو أفندينا الذي باع مصر وهو إسماعيل باشا الذي...

لبنانهم سلاح ولبناننا ثقافة وازدهار

استوقفتني تغريدة للأديبة السيدة، سلوى خليل الأمين، منها: “هذا هو الزمن الرديئ. أصبحنا في لبنان، بلد الاشعاع والابداع والنور، كما سمي سابقاً، بلد انحطاط البرامج التلفزيونية،...

الشمس تشرق من الجنوب مقاومة لها تاريخها

واجهت صور تحديات عديدة من القوى الكبرى في المدينة، وحاصرها الآشوريون والبابليون و الأغريق . شلمنصر الخامس (حوالي 725 ق.م)، ثارت مدينة صور الفينيقية بزعامة ملكها...

بين نار إيران وزيارة ترامب إلى الصين… العالم على أبواب معركة القرن

لم تعد الحرب في إيران، ولا التوترات المشتعلة في الشرق الأوسط، مجرّد نزاعات إقليمية مرتبطة بالصواريخ أو النفوذ العسكري، بل أصبحت جزءًا من معركة عالمية كبرى تُعيد رسم ميزان القوى...

من بكين إلى الشرق الأوسط: ماذا عاد ترامب حاملاً؟

عاد دونالد ترامب من الصين، لكن صدى الزيارة لم يبقَ محصوراً بين واشنطن وبكين. فالمنطقة كلّها، من طهران إلى تل أبيب مروراً ببيروت وغزة، كانت تراقب ما إذا كانت تلك الزيارة ستفتح باب...

محمد فاروق مهني يكتب: هل يعاد تعريف العدو في المنطقة العربية؟

في اللحظة التي تتزايد فيها الانباء عن وجود وحدات طيران مصرية علي الاراضي الإماراتية بالتوازي مع تقارير متصاعدة عن مساهمة اسرائيلية في بناء وتطوير منظومات دفاع جوي داخل الإمارات،...