في واشنطن، لم تعد السياسة الخارجية تُصنع في الغرف المغلقة لمجلس الأمن القومي، بل أصبحت تُطبخ على عجل في كواليس منصة “تروث سوشال” بين تغريدة وأخرى. يبدو أن الرئيس دونالد ترامب قرر ترقية أزمات الشرق الأوسط المصيرية إلى رتبة “مزاد عقاري” أو حلقة جديدة من برامج تلفزيون الواقع، حيث الإثارة مضمونة، والنهايات تُكتب قبل شارة الإغلاق بدقائق.
آخر فصول هذه المهزلة الرقمية هو الإعلان السريع والسريالي لسيد البيت الأبيض عن اتفاق سلام وشيك مع طهران؛ اتفاقٌ حدد له موعداً قاطعاً “يوم الأحد”، وكأنه يحدد موعد تسليم شقة مفروشة في فلوريدا! الأجمل من الإعلان هو التناقض العجيب في الأسلوب؛ فالرجل الذي كان قبل ساعات يهدد بقصف منشآت النفط في جزيرة “خارك” ويستعرض قاذفات “البي-2 الجميلة”، خرج فجأة ليعلن بفيض من الرومانسية السياسية أن طهران “لم تعد تريد سلاحاً نووياً”، وأنه شخصياً يتطلع لفتح مضيق هرمز وتنظيف “الغبار النووي” المدفون تحت الجبال وكأنه يتحدث عن تنظيف حديقة خلفية لأحد منتجعاته.
المفارقة المضحكة تكمن في المرات الأربعين—بحسب إحصاءات الإعلام—التي أعلن فيها ترامب عن “اتفاق وشيك جداً”، لينقلب بعدها بلحظات إلى لغة الوعيد والخراب. إنها سيكولوجية التاجر الذي يظن أن سياسة “حافة الهاوية” يمكن أن تنجح مع أمة تتقن حياكة السجاد العجمي غرزةً غرزة، وبصبر يمتد لقرون.
بينما كان ترامب يحتفل بالنصر الدبلوماسي الافتراضي على منصته، جاء الرد من طهران ببرودة أعصاب بليغة وبكلمتين: “لن يكون التوقيع غداً.. انتظروا قليلاً”. هذا الجواب يختصر صراع العقول؛ حيث يحاول “الكاوبوي” الأميركي حسم المعارك بضربة مسدس سريعة في الهواء، بينما يجلس الدبلوماسي الإيراني متمسكاً بشروطه، ثابتاً على رفع الحصار البحري واستعادة المليارات المجمدة، دون أن تهزه استعراضات الفضاء الرقمي.
لقد تناسى النزيل الحالي للبيت الأبيض، وهو يراقب استطلاعات الرأي لانتخابات منتصف الولاية ويتحضر لافتتاح كأس العالم، أن الشرق الأوسط ليس كازينو في “أتلانتيك سيتي” يمكن إعادة ضبط قواعده ببطاقة ائتمانية أو بتغريدة حماسية. إيران، ومن خلفها حلفاؤها في المنطقة، أثبتت مجدداً أن الاتفاقيات لا تُنتزع بالتهويل الجوي، وأن شروط الميدان التي عُمّدت بالدم في جنوب لبنان وجبهات المساندة هي التي تفرض السطور الأخيرة في أي وثيقة، تاركةً لترامب متعة العيش في أوهام “صفقات الأحد” العابرة.


