الإثنين، 27 أبريل 2026
بيروت
22°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة : الجزء الثاني

يقول الشهرستاني وهو من علماء القرن السادس الهجري في بداية كتابه الملل والنحل ، ” أول خلاف في الأمة خلاف الإمامة إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان ” ، فهو يعتبر أنه أول خلاف وما اقتتل المسلمون وسفكوا دماء بعضهم أكثر مما فعلوا في موضوع الشرعية السياسية وصراع الشرعية السياسية ، وهذا موضوع كبير خصص له العديد من الكتب لكن ما كان بذرة سياسية نمت على ضفافه بعد ذلك خلافات عقائدية وفقهية وتاريخية فالخلاف بين السنة والشيعة اليوم ليس مجرد خلاف سياسي .

هناك جوانب عقائدية تاريخية وأشد الأمور المثيرة للشحناء بين السنة والشيعة ليست الأمور العقائدية رغم أن فيها خلافات حقيقية مثل عصمة الأئمة أو رجوع المهدي المنتظر ، وهذه طبعا خلافات عقائدية واضحة ومعروفة بين الفريقين وإنما الذي يثير الحساسيات أكثر مسالة الخلاف حول النظرية السياسية ، والخلاف هو حول الذاكرة التاريخية أي كيف ينظر السنة الى تاريخ صدر الإسلام وكيف ينظر الشيعة ، هما خطان متوازيان لا يلتقيان والنظرية السياسية أيا تكن مختلفة تماما ، صحيح أن هناك نظرية سنية ونظرية شيعية وكل منهما وليدة لنفس الظروف والسياق التاريخي .

وفي الحقيقة أن أخطر الأزمات وأخطر القطائع هي القطيعة الأخيرة التي حصلت منذ الثورة الإيرانية ، وسبب ذلك يعود الى أن منظري هذه المرحلة من الطرفين ومن الطائفتين الآن هم أكثر معرفة وتدقيقا في مسألة الخلاف ، وأن الخلاف العقائدي بدأ يظهر بطريقة أكثر مما كان في السابق ، حتى أن بعض الدارسين ذهبوا الى أبعد ما يمكن من وصف المخالف الى حد التكفير والى حد اعتبار أن دعاة التشيع يقتربون من الشركية ، وأن الشرك مخرج من الملة بمعنى أن القطيعة الحالية مؤسسة على فهم أكثر بالتاريخ الإسلامي وبالعقيدة وحتى ربما بأصول الفقه .

وهناك رأي آخر يقول بأن ليس هناك من علماء يبذلون جهداً علمياً أفضل لفهم الطرف الآخر لا من السنة ولا من الشيعة ، ونحن عندما ندرس علماء الماضي الذين كتبوا في هذه الأمور ودخلوا في مجادلات ، مثلا علماء السنة الذين دخلوا في مجادلات مع علماء الشيعة سواء ابن تيمية أو الذهبي وغيرهم ، نجد أنهم بذلوا جهدا علمياً أكبر بكثير مما يبذله الناس اليوم وصحيح أن الناس اليوم أميل للتكفير ، لكن هذا ليس علامة معرفة بقدر ما هو علامة جهل بالتفاصيل والعكس هو أن علماء السنة الأقدمون الذين دخلوا في حوارات مع الشيعة قد لا نجد فيهم من يكفر .

نعم قد يقولون هذه بدعة وهذه ضلالة وهذه شركة لكن لا يحكمون حكماً معيناً أن هذا كافر ، وهذه الجماعة كافرة ومما يميز أهل السنة هو أنهم أهل سنة وجماعة ، أي يحرصون على اجتماع كلمة المسلمين ولذلك ظلت فكرة سنة وجماعة مظلة تجمع غالبية أهل الإسلام بكل ألوانهم ، السلفيين والخلفيين وأهل الأثر وأهل الفقه وأهل التصوف جميعهم داخل تحت السنة والجماعة ، فمبدأ السنة والجماعة ضم جمهور المسلمين ثم مبدأ أن لا نكفر أحداً من أهل القبلة هو من بعد ذلك اعتقاد بقية المسلمين ، إنما الأزمة اليوم أخطر لسببين : الأول أن الأزمة في الماضي والصراعات الماضية كانت موضعية يعني يمكن لأهل القيروان أن يتقاتلوا المالكية السنية مع الفاطميين دون أن يعلم أهل مصر أو أهل الشام أو أهل العراق .

لأنه لم يكن هناك وسائل نقل معلومات والتواصل الكبيرة التي عندنا  اليوم ، كان يمكن للحنابلة أن يتقاتلوا ويحتربوا بالحجارة وبالسيوف في شوارع بغداد دون أن يدري أهل الشام أو أهل المغرب ، إنما اليوم الفتنة تسيح في الجسد بسرعة هائلة فوسائل التواصل جعلت كل شيء قريب ، فالفرس هم شعب عريق من شعوب الإسلام وهم كانوا سنة أصلا في التسعة قرون الأولى من الإسلام والتشيع جديد في ايران ، والى الآن لا يزال عدد هائل من الفرس هم سنة طاجكستان هم فرس وكلهم سنة لكن انتشار المرض المذهبي بسبب وسائل التواصل ، وهذا سهّل كثيراً بالإضافة الى توظيف القوة الخارجية ، في الماضي كانت صراعاتنا انعكاس للديناميكية الداخلية .

نحن ونجران لدينا مشكلة نحلها لكن إذا أراد أهل المدينة أن يتدخلوا بيننا طبعا تكون المصيبة كبيرة ، الآن هناك قوة دولية بعدما دخل الاستعمار الغربي المعاصر الى بلادنا وشخص مشكلتها ورسم خريطتها وتفاصيلها وعرف كيف يضرب مكونات هذه الأمة بعضها ببعض ، أصبح للصراع آثاره المدمرة وأصبح يُستغل من الطرف الخارجي هذا مهم ، لكن الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله كان واحداً من دعاة الوحدة الدينية ودعاة الحوار ودعاة التأسيس للمظلة الإسلامية الجامعة ، هو ومجموعة من الدعاة الإسلاميين ونذكر الحوار الذي انتهى الى الإحباط والفشل وقال أن لا فائدة ترجى من هذا بمعنى هل كان الدكتور القرضاوي ومن معه كانوا أيضا خاطئين لم يفهموا ولم يستوعبوا طبيعة الخلاف مع المخالفين من أهل الطائفة الشيعية .

كان الشيخ قرضاوي الذي دخل مدخل التقريب وآخرون هو الذي أدى بنا الى النتيجة التي انتهوا إليها وكان مدخل التقريب خطأ والمدخل الصحيح لإدارة العلاقة بين السنة والشيعة ليس التقريب وإنما التعايش وهناك فرق كبير بين التقريب بين المذاهب وبين التعايش بين المذاهب ،  فالتقريب هو محاولة لتجاوز الخلاف أما التعايش فهو اعتراف بحق الاختلاف … أنا لا أريدك أن تتخلى عن نظرتك العقائدية وأنت لا تريدني ولا تسعى بي أن تجعلني أتخلى عن نظرتي الاعتقادية لكن نريد أن نتصرف كجيران عقلاء وأن نتعايش مع هذا الخلاف ، بدلاً من التنكر له ومحاولة القفز عليه .

وتجربة التقريب بدأت قبل الشيخ قرضاوي بفترات طويلة في بداية القرن العشرين هناك جهود بين الشيخ محمد رشيد رضا مع السيد محسن الأمين في بلاد الشام وعنده موسوعة ضخمة تحت عنوان أعيان الشيعة وكان له جهود ومراسلات ومساعي وكان هناك مؤتمر مشهور في العراق أيضا في محاولة تقريب ، والشيخ شلتوت في منتصف القرن العشرين قام بمساعي كبيرة في هذا ومدخل التقريب اذن لا يصلح …والذي يصلح هو مدخل التعايش وليس التقريب .

يتبع في الجزء الثالث

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

قفا نحك

لا يستطيع قارئ الوقائع في الشرق الأوسط إلا أن يستنتج أن اسرائيل هي الوالي الجديد على المنطقة، ببركة واشنطن وحلفائها، وحتى خصومها، وما الاحتجاجات على المجازر اليومية إلَا غسل...

لا تطويع مع القاتل

ان ماورد عن مصادر اعلامية بأن الجانب الامريكي سيطلب من لبنان إلغاء القانون الذي يحرم التواصل مع اسرائيل لا يستقيم مع صرخة البطريرك برثلماوس الاول اليوم في ٢٠٢٧/٤/٢١ وهو يمثل أعلى...

عندما يصبح الإعلام أداة للفتنة بدل وحدة الموقف

في زمن الخطر الذي يهدد لبنان لم يعد مقبولاً أن تتحول بعض الشاشات العربية واللبنانية ومعها ما يسمى بالصحف الصفراء إلى منصات لبث الأكاذيب وصناعة الفتنة الداخلية بدلاً من أن تكون...

"حربٌ لم نَخْتَرْها".. من اختار الحرب في لبنان؟

يتردد كثيرا على ألسنة سياسيين وسياديين وحياديين في لبنان وعديد من الأبواق التي تتحدث العبرية بلسان عربي مبين، أن الحرب مفروضة على لبنان ولم يخترها – وهذا صحيح حتى هنا- الا أنهم...

لعن الله من ايقظها ....

ما كدتْ انتهي من قراءة رسالة استاذنا الكبير ” حسن صبرا ” المؤرخ المتألق للمحطات العربية الأصيلة الطاهرة ، يحكي فيها عن صبيحة اليوم الخامس من حزيران ١٩٦٧ زمن النكسة...

الزواج الثاني في زمن النزوح… بين الحاجة والعبث الاجتماعي

في أزمنة الحروب والأزمات الكبرى، تتعرّض المجتمعات لاختبارات قاسية تمسّ بنيتها الأخلاقية والاجتماعية. ومع ما يمرّ به لبنان من عدوانٍ صهيونيٍّ مستمر، وما نتج عنه من موجات نزوحٍ...