مسلمة ننطلق منها ؛ في لبنان مكونات وشيع واصطفافات خّلفتها قرون وعقود منذ الفتح العربي الإسلامي ، فكانت تراكمات ودوافع ومسببات و أسباب ومواقف حالت حتى اليوم من تطور لبنانوتطويره، وتَشَكُلِه كدولة وكشعب ومواطنين بأغلبية تعي المخاطر على لبنان، نتيجة انقسامات استدعت حمايات وتدخلات أجنبية في أدق تفاصيل الحياة السياسية وانعكاساتها على الإدارة كوادر وانتاجًا.
بذريعة الخوف الماروني المزعوم من مضايقات العرب المسلمين في الوطن العربي ( استحضارًا لماض واسقاط اختلافات وخلافات لهم اليد الطولى فيها، وهي مبررة و مفهومة، على الحاضر) وإدعاء تمسكهم وحدهم بالكيان اللبناني الذي أنشأه الانتداب الفرنسي حماية لهم وفق زعمهم وقناعة البسطاء منهم . حتى أن رئيس حزب الكتائب اللبنانية بيار الجميل الجد يقول في تصريح له سنة 1974: «المسلمون ليسوا مخلصين للبنان ». و أثبتت الممارسات الميلشيوية لليمين الماروني كذب ادعاءاتهم : ففي 13/6/1978 أعلن العميل المتصهين الرائد سعد حداد دويلة لبنان الجنوبي في قرى الشريط الحدودي و خلفه العميل الضابط انطوان لحد . و في توقيت متزامن مع إعلان دويلة الشريط الحدودي أعلنت قيادة القوات اللبنانية و حزب الكتائب عن قيام كونتون مسيحي يمتد من جسر كفرشيما إلى جسر المدفون في الشمال . استأثرت المارونية السياسية بالحكم و الادارة والتنمية والحماية و الرعاية . وعليه كانت احتجاجات الطوائف و المذاهب الأخرى المسيحية والإسلامية ، وفي مقدمهم الشيعة، وقاموا يطالبون برفع الغبن المزمن .
عن شيعة لبنان
تقدم الإمام موسى الصدر انتفاضة الشيعة الأولى في العصر الحديث و لخص يوم 18/2/1974 في بلدة بدنايل البقاعية معاناة الشيعة و نظرة المجتمع اللبناني إليهم : «لن نشكو بعد اليوم، ولن نبكي، ونحن ليس اسمنا المتاولة بل اسمنا الرافضون الثائرون على الطغيان، ولا نقبل بأن يكون في لبنان بلد الإنسانية تمييز طائفي كما في افريقيا الجنوبية تمييز عنصري » .
يضرب ذلك التمييز في غور التاريخ الذي شهد اضطهاد الحكام «المسلمين والمتأسلمين » لهم وأشد هم تعسفًا كان المماليك والعثمانيين ؛ فكان الشيعة بفتاوي معمميهم «بيرون ميليت » أي ليسوا مسلمين وليسوا اتباع ديانة سماوية. أهل الكتاب وأهل الذمة من كل الملل لهم مرجعيتهم الدينية ومحاكمهم الروحية و الشرعية،إلا الشيعة ، ولولا صمودهم الأسطوري ورسوخ إيمانهم وجهادهم في سبيل الحياة الحرة الكريمة لانقرضوا وانتهى دورهم . وهو ما أكده كل الذين كتبوا عن لبنان في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وتنبأوا بانقراض الشيعة من لبنان وبزوالهم. والسبب كما استنتجوا أن الظروف السياسية وتقلبات الاحداث سوف تسحقهم في ظل غياب اي دعم لهم، ومن اشهر من تنبأ بذلك المستشرق «بول هيه» الذي رأى ان الشيعة في هذه المنطقة الى زوال لأن القوى المناهضة لهم اقوى منهم بما لا يقاس.
لا جدال في أن الجمهورية الإسلامية في إيران هي المرتجى لملايين الشيعة بعد الاضطهاد المزمن لأبائهم و أجدادهم على مر العصور. ولا نقاش في أن جمال عبد الناصر قد وقف وحده من بين كل الحكام المسلمين مع الحركة الشعبية في إيران وأمد قادتها من المراجع الشيعية بكل الدعم كما فاخر الإمام الخمينئي . وعبد الناصر ليس سنيًا ، ومثله كانت فتح وهي ليست سنية أيضًا ، وقفوا مع الحراك الشعبي الإيراني مساندة ضد الشاه وعمالته للأمريكو صهيوني، ومن الخطوات الثورية الأولى كان إقفال السفارة الصهيونية في طهران وتبني القضية الفلسطينية ودعم شعبها و ثورته . ووقف لبنانيون وفي مقدمهم التقدميون وشيعة مع المقاومة الفلسطينية، ووقفت المقاومة الإسلامية « الشيعية » مساندة لحركة حماس « السنية » . وعليه يكون الالتفاف حول الجمورية الإسلامية تحالفًا استراتيجيًا حول أهداف مشتركة : الدفاع عن المستضعفين في العالم أي كانت انتمائتهم، وفي مقدمتهم الفلسطينيون .
ومن هنا الترقب القلق لاحتمال ضربات بتداعيات قد تشعل المنطقة بأسرها وتضرب مصالح شعوبها والمصالح الأمريكية و الغربية استلحاقًا .
والأمل المعقود عليها يرتكز إلى فروقات عن كل ما سبقها بما فيه الدولة الفاطمية وما أنجزته و وصلت إليه،
وبين الحكم القائم في الجمهورية الإسلامية على قاعدة ولاية الفقيه ونظامها المستحدث، وهو جوهر التفاف الإيرانيين حول الحكم ، وتقديس المرشد الأعلى المحصن ضد أي مساءلة.


