من السهل على أي مراقب لتاريخ العرب الحديث أم يجد نفسه أمام مراحل متعاقبة تكاد تكون محددة تحديداً دقيقاً ، كانت هناك الحقبة الاستعمارية ، حينما كانت بريطانيا وفرنسا تحاولان بكل جهد تخاطف النفوذ في ارث الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط ، ثم جاءت حقبة الوطنية طلباً للاستقلال ، وقد سقطت هذه الحقبة بعجز الطبقة المتوسطة الجديدة بعد الاستقلال عن المحافظة على جوهر هذا الاستقلال وعن التقدم به الى أي بعد اجتماعي .
ثم جاءت حقبة القومية العربية باتجاهاتها التقدمية وتوجهاتها العالمية ، وقد تلقت هذه الحقبة صدمة بهزيمة 1967 ، والمحزن أن حرب أكتوبر كان يمكن أن تعيد اليها كل ما فقدته وتمنحها قوة اندفاع مضاعفة ، لكن خذلان السياسة لما حققه السلاح أدى بهذه الحقبة الى السقوط الكامل في أواخر عهد السادات ، فقد انتهى الأمر بصلح منفرد بين القوة العربية الكبرى وبين إسرائيل بدون أن يتحقق السلام الكامل والعادل في المنطقة .
ثم جاءت بعد ذلك الحقبة الرابعة في العصر الحديث ، وهي المرحلة التي يمكن تسميتها بالحقبة السعودية ، والتي انعقدت آمالها على مقدرة السعودية – بمالها ونفطها – أن تضغط على الولايات المتحدة لكي تضغط على إسرائيل حتى تحد من خططها التوسعية ، فكان كل الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة كان في الواقع ضغطاً على أصدقائها العرب وليس على إسرائيل .
وبقيت ( الحقبة السعودية ) تحاول بدورها لتفسح الطريق أمام الجهود التي تبذلها القيادة السعودية للوصول الى الأهداف المطلوبة للسلام العادل في المنطقة – وللخروج (مع الأسف الشديد ) من الحقبة الخامسة المسيطرة الآن في المنطقة وهي الحقبة الامبراطورية الإسرائيلية ، وهي حقبة محكوم عليها سلفاً بكل حقائق التاريخ والجغرافيا بالفشل ، ومع ذلك فإن هذه الحقبة الجديدة مع كل مهانتها للعرب سوف تثبت أن ضررها الأكبر سوف يلحق بالغرب وبالولايات المتحدة ربما أكثر من العرب ، وقد حدد قادة إسرائيل خريطة لمطامع إسرائيل السياسية التوسعية بوضح مخيف وكأنهم يكتبون الوصية السياسية لقيصر الجديد .
فحددوا أن مدى عمل إسرائيل يمتد الى ثلاثة حدود تتسع خطوط كل منها واحدة بعد الأخرى : هناك أولاً الخط الذي يمثل مدى العمل المباشر وهذا يشمل سوريا ولبنان والأردن بما فيه الفلسطينيين ، وهذا الخط ينبغي أن يكون تحت سيطرة إسرائيلية دقيقة ، ووراء ذلك كله هناك حد الأفق الثاني لمدى العمل الإسرائيلي وهو يشمل السعودية والعراق ومنطقة الخليج ، وهو خط ينبغي على إسرائيل أن تتابع ما يجري فيه بعناية ، وأن لا تدع شيئاً من يمر من وراء ظهرها ، وأما مدى العمل الثالث والأخير :
فهو من وجهة نظر زعماء إسرائيل وخططهم ضرورة أم يتأكد النفوذ الإسرائيلي على كل الخط الممتد من شرق البحر الأبيض المتوسط حتى المحيط الهندي ، بما في ذلك تركيا وايران وباكستان ، وفي هذا الخط يجب أن تكون إسرائيل القوة ذات النفوذ الغالب .
ان هذه الأحلام كلها لا تتحقق بدون الاعتماد على الولايات المتحدة فهي مصدر القوة المادية والاقتصادية والعسكرية لإسرائيل والا فليس هناك من سند فعلي لهذه الدعاوي سوى استخدام محظور السلاح النووي ، وهو في خاتمة المطاف عقيم ، واي حلم لا تسنده قوة حقيقة بشرية واقتصادية ووجود تاريخي وجغرافي حقيقي وفعلي وليس اسطوري ، كفيل بان يتراجع من عالم الحلم الى عالم الوهم ، ومن عالم الوهم الى عوالم الجنون ، وهو في النهاية مؤدٍ الى تدمير أصحابه مهما تمادوا ، ولقد بدا ذلك الاحتمال – احتمال تدمير النفس بجنون القوة واضحاً لرواد الحركة الصهيونية وآبائها الروحيين ، وفي مقدمتهم ناحوم غولدمان الذي قال قبل موته :” إن إسرائيل قد افترست روح الصهيونية ودمرت تراثها .
ان الحقبة الإمبراطورية الإسرائيلية سوف تكون مختلفة عن غيرها من الحقب الامبراطورية ، لأنها لا تملك أساساً يمكنها من إعطاء شيء انساني أو حضاري لمن حولها أو للتاريخ ، ولقد كانت الإمبراطورية العثمانية أو البريطانية أو الفرنسية تملك وراءها قرون من تحقيق الذات ومن التطور السياسي والاقتصادي ، ومن الثقافات والمهارات المتوارثة والقيم التي يمكن ولو نظرياً أن تعطيها للآخرين ، كما أن هذه الامبراطوريات كانت تملك التزاماً قانونياً وسياسياً تجاه من حاولت أن تبسط عليهم سيطرتها .
ثم أن ذلك كله كان في مرحلة مختلفة من التاريخ ( في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين ) وليس في هذا كله عنصر من العناصر متاح لإسرائيل ، فهي لا تملك أي واحدة من مقومات نشوء قوة امبراطورية ، انها هي نفسها لا تملك الإحساس بأمنها ذاته …. وهي لا تملك أي شيء سوى أنها كيان عصبي بالطبيعة ليس أمامه غير سلاحين لبسط سيطرته : الابتزاز ، والإرهاب – دولة قامت على الإرهاب وتحاول إقامة امبراطورية على الإرهاب ، ورد الفعل الذي سينتج عنه هو الإرهاب المضاد .


