الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
12°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

ثم جاءت حقبة القومية العربية باتجاهاتها التقدمية وتوجهاتها العالمية

من السهل على أي مراقب لتاريخ العرب الحديث أم يجد نفسه أمام مراحل متعاقبة تكاد تكون محددة تحديداً دقيقاً ، كانت هناك الحقبة الاستعمارية ، حينما كانت بريطانيا وفرنسا تحاولان بكل جهد تخاطف النفوذ في ارث الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط ، ثم جاءت حقبة الوطنية طلباً للاستقلال ، وقد سقطت هذه الحقبة بعجز الطبقة المتوسطة الجديدة بعد الاستقلال عن المحافظة على جوهر هذا الاستقلال وعن التقدم به الى أي بعد اجتماعي .

ثم جاءت حقبة القومية العربية باتجاهاتها التقدمية وتوجهاتها العالمية ، وقد تلقت هذه الحقبة صدمة بهزيمة 1967 ، والمحزن أن حرب أكتوبر كان يمكن أن تعيد اليها كل ما فقدته وتمنحها قوة اندفاع مضاعفة ، لكن خذلان السياسة لما حققه السلاح أدى بهذه الحقبة الى السقوط الكامل في أواخر عهد السادات ، فقد انتهى الأمر بصلح منفرد بين القوة العربية الكبرى  وبين إسرائيل بدون أن يتحقق السلام الكامل والعادل في المنطقة .

ثم جاءت بعد ذلك الحقبة الرابعة في العصر الحديث ، وهي المرحلة التي يمكن تسميتها بالحقبة السعودية ، والتي انعقدت آمالها على مقدرة السعودية – بمالها ونفطها – أن تضغط على الولايات المتحدة لكي تضغط على إسرائيل حتى تحد من خططها التوسعية ، فكان كل الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة كان في الواقع ضغطاً على أصدقائها العرب وليس على إسرائيل .

وبقيت ( الحقبة السعودية ) تحاول بدورها لتفسح الطريق أمام الجهود التي تبذلها القيادة السعودية للوصول الى الأهداف المطلوبة للسلام العادل في المنطقة  – وللخروج (مع الأسف الشديد ) من الحقبة الخامسة المسيطرة الآن في المنطقة وهي الحقبة الامبراطورية الإسرائيلية ، وهي حقبة محكوم عليها سلفاً بكل حقائق التاريخ والجغرافيا بالفشل ، ومع ذلك فإن هذه الحقبة الجديدة مع كل مهانتها للعرب سوف تثبت أن ضررها الأكبر سوف يلحق بالغرب وبالولايات المتحدة ربما أكثر من العرب ، وقد حدد قادة إسرائيل خريطة لمطامع إسرائيل السياسية التوسعية بوضح مخيف وكأنهم يكتبون الوصية السياسية لقيصر الجديد .

فحددوا أن مدى عمل إسرائيل يمتد الى ثلاثة حدود تتسع خطوط كل منها واحدة بعد الأخرى : هناك أولاً الخط الذي يمثل مدى العمل المباشر وهذا يشمل سوريا ولبنان والأردن بما فيه الفلسطينيين ، وهذا الخط ينبغي أن يكون تحت سيطرة إسرائيلية دقيقة ، ووراء ذلك كله هناك حد الأفق الثاني لمدى العمل الإسرائيلي وهو يشمل السعودية والعراق ومنطقة الخليج ، وهو خط ينبغي على إسرائيل أن تتابع ما يجري فيه بعناية ، وأن لا تدع شيئاً من يمر من وراء ظهرها ، وأما مدى العمل الثالث والأخير :

فهو من وجهة نظر زعماء إسرائيل وخططهم ضرورة أم يتأكد النفوذ الإسرائيلي على كل الخط الممتد من شرق البحر الأبيض المتوسط حتى المحيط الهندي ، بما في ذلك تركيا وايران وباكستان ، وفي هذا الخط يجب أن تكون إسرائيل القوة ذات النفوذ الغالب .

ان هذه الأحلام كلها لا تتحقق بدون الاعتماد على الولايات المتحدة فهي مصدر القوة المادية والاقتصادية والعسكرية لإسرائيل والا فليس هناك من سند فعلي لهذه الدعاوي سوى استخدام محظور السلاح النووي ، وهو في خاتمة المطاف عقيم ، واي حلم لا تسنده قوة حقيقة بشرية واقتصادية ووجود تاريخي وجغرافي حقيقي وفعلي وليس اسطوري ، كفيل بان يتراجع من عالم الحلم الى عالم الوهم ، ومن عالم الوهم الى عوالم الجنون ، وهو في النهاية مؤدٍ الى تدمير أصحابه مهما تمادوا ، ولقد بدا ذلك الاحتمال – احتمال تدمير النفس بجنون القوة واضحاً لرواد الحركة الصهيونية وآبائها الروحيين ، وفي مقدمتهم ناحوم غولدمان الذي قال قبل موته :” إن إسرائيل قد افترست روح الصهيونية ودمرت تراثها .

ان الحقبة الإمبراطورية الإسرائيلية سوف تكون مختلفة عن غيرها من الحقب الامبراطورية ، لأنها لا تملك أساساً يمكنها من إعطاء شيء انساني أو حضاري لمن حولها أو للتاريخ ، ولقد كانت الإمبراطورية العثمانية أو البريطانية أو الفرنسية تملك وراءها قرون من تحقيق الذات ومن التطور السياسي والاقتصادي ، ومن الثقافات والمهارات المتوارثة والقيم التي يمكن ولو نظرياً أن تعطيها للآخرين ، كما أن هذه الامبراطوريات كانت تملك التزاماً قانونياً وسياسياً تجاه من حاولت أن تبسط عليهم سيطرتها .

ثم أن ذلك كله كان في مرحلة مختلفة من التاريخ ( في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين ) وليس في هذا كله عنصر من العناصر متاح لإسرائيل ، فهي لا تملك أي واحدة من مقومات نشوء قوة امبراطورية ، انها هي نفسها لا تملك الإحساس بأمنها ذاته …. وهي لا تملك أي شيء سوى أنها كيان عصبي بالطبيعة ليس أمامه غير سلاحين لبسط سيطرته : الابتزاز ، والإرهاب – دولة قامت على الإرهاب وتحاول إقامة امبراطورية على الإرهاب ، ورد الفعل الذي سينتج عنه هو الإرهاب المضاد .

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...