السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين تُصبِحُ واشنطنُ شريكًا في تسييسِ «مُعاداةِ الساميّة»

لم يكن مفاجئًا أن تُسارعَ الإدارةُ الأميركيّة، على اختلافِ مستوياتِها الرسميّة، إلى إعلانِ أنّ حادثةَ إطلاقِ النّار هي «مُعاداةٌ للساميّة». فواشنطن، منذُ عقودٍ، لا تتعاملُ مع هذا المفهوم بوصفِه مبدأً إنسانيًّا مُجرّدًا، بل كجزءٍ من منظومةٍ سياسيّةٍ أيديولوجيّةٍ مرتبطةٍ بحمايةِ “إسرائيل” وخياراتِها، لا بحمايةِ الإنسان كإنسانٍ.
التصريحُ الأميركيُّ السريعُ لا ينتظرُ تحقيقًا، ولا يَسألُ عن الدوافع، ولا يُميّزُ بين جريمةٍ فرديّةٍ وبين سياقٍ سياسيٍّ مشحونٍ. إنّه نسخٌ حرفيٌّ للروايةِ الإسرائيليّة، وتكريسٌ لمنطقٍ واحدٍ: أيّ اعتداءٍ تكونُ ضحيّتُه يهوديًّا يُرفَعُ فورًا إلى مرتبةِ الجريمةِ الكونيّة، فيما تُترَكُ دماءُ الآخرين خارجَ العناوينِ الكبرى.
بهذا السلوك، تُحوِّلُ الولاياتُ المتّحدةُ مفهومَ مُعاداةِ الساميّة من أداةِ حمايةٍ إلى سلاحٍ سياسيٍّ. سلاحٌ يُستخدَمُ لإغلاقِ النقاش، وتجريمِ الغضب، وشيطنةِ أيّ اعتراضٍ على سياساتِ الاحتلال، أو الحروب، أو القتلِ الجماعيّ. فحين تتبنّى واشنطن هذا التوصيف من دون تردّدٍ، فإنّها لا تدافعُ عن قيمٍ إنسانيّةٍ، بل تحمي تحالفًا سياسيًّا مهما كانت كلفتُه الأخلاقيّة.
الأخطرُ أنّ هذا الموقفَ الأميركيَّ يُرسِّخُ ازدواجيّةً فاضحةً: حين يُقتَلُ مدنيّون في غزّة، أو لبنان، أو العراق، أو سورية…، أو في اليمن وإيران، تُستخدَمُ لغةُ «الاشتباكات» و«الأضرارِ الجانبيّة».
أمّا حين يكونُ الضحيّةُ يهوديًّا، فالكلمةُ جاهزةٌ: “مُعاداةُ الساميّة”.
وهنا لا يعودُ القانونُ واحدًا، ولا المعاييرُ متساويةً، ولا الدّمُ متكافئَ القيمة.
إنّ واشنطن، بهذا النهج، تُسهمُ مباشرةً في إفراغِ المفهوم من معناه. فبدلاً من أن تُحاربَ الكراهيةَ الحقيقيّة، تُحوِّلُ الاتّهامَ إلى أداةِ ابتزازٍ سياسيٍّ، ما يؤدّي paradoxically إلى نتائجَ عكسيّةٍ: تصاعدِ الاحتقان، وتوسّعِ الهوّة، ونموِّ مشاعرِ الغضبِ التي كان يُفترَضُ احتواؤُها بالعدل، لا بالقمعِ الأخلاقيّ.
والمفاجأةُ أيضًا، خرجَ بنيامين نتنياهو بتصريحٍ فوريٍّ، قاطعٍ وحاسمٍ: هذه “مُعاداةٌ للسامية”. لا تحقيقَ بعد، لا انتظارَ لمعرفةِ الدوافع، ولا تمييزَ بين جريمةٍ فرديّةٍ وسياقٍ سياسيٍّ أو أمنيٍّ مُعقّدٍ. الكلمةُ تُقال، والروايةُ تُغلَق.
الأخطرُ من ذلك، أنّ نتنياهو يُتقِنُ الخلطَ المُتعَمَّد بين اليهوديّ كإنسانٍ، واليهوديّة كديانةٍ، و”إسرائيل” كدولةٍ، وحكومتِه كسلطةٍ سياسيّةٍ. بهذا الخلط، يصبحُ أيّ غضبٍ ناتجٍ عن سياساتِ الاحتلال، أو الحروب، أو المجازر، أو الحصار، مُجرّدَ كراهيةٍ دينيّةٍ. هكذا يُمحى السياق، وتُلغى المسؤوليّة، وتتحوّلُ الضحيّةُ من إنسانٍ متألّمٍ إلى مشروعٍ سياسيٍّ مُحصَّنٍ.
إنّ توصيفَ أيّ حادثةٍ فورًا بأنّها مُعاداةٌ للسامية يمنحُ نتنياهو تفويضًا أخلاقيًّا فوريًّا في الغرب، ويُعيدُ إنتاجَ خطابِ الاضطهادِ التاريخيّ، لا بهدفِ منعِ الكراهية، بل لتبريرِ السياسات، وإسكاتِ النقد، وتجريمِ أيّ صوتٍ يعترض. وهنا تتحوّلُ القيمُ الإنسانيّة من أدواتِ حمايةٍ إلى أدواتِ قمعٍ ناعمٍ.
المفارقةُ المؤلمةُ أنّ الساميّة، تاريخيًّا ولغويًّا، لا تقتصرُ على اليهود وحدهم. العرب، والسريان، والآراميّون، وغيرُهم، هم أيضًا شعوبٌ ساميّةٌ. ومع ذلك، لا نسمعُ توصيفَ «مُعاداةِ الساميّة» عندما يُقتَلُ هؤلاء، أو تُبادُ مجتمعاتُهم، أو تُدمَّرُ أوطانُهم. الدّمُ هنا يُقاسُ بالهويّة، لا بالإنسانيّة، وهذه هي العنصريّةُ بعينِها.
نعم، مُعاداةُ اليهود كيهودٍ جريمةٌ مرفوضةٌ، كما مُعاداةُ أيّ شعبٍ أو دينٍ. لكن ربطَ هذا المفهوم تلقائيًّا بكلّ حادثةٍ، وتوظيفَه لحمايةِ سياساتٍ بعينِها، هو ممارسةٌ عنصريّةٌ بحدِّ ذاتِها، لأنّها تُميّزُ بين ضحيّةٍ «تستحقّ» وضحيّةٍ «يمكنُ تجاهلُها».
العدالةُ لا تكونُ أميركيّةً، ولا إسرائيليّةً، ولا انتقائيّةً.
العدالةُ إمّا أن تكونَ شاملةً وعمياءَ عن الهويّات، أو لا تكونُ عدالةً على الإطلاق.
وما لم تتوقّفِ الولاياتُ المتّحدة عن تأدية دورِ القاضي المُنحاز، ستبقى شريكةً في صناعةِ الظلم، لا في منعه، وفي تأبيدِ العنصريّة، لا في إنهائِها.
إنّ العدالةَ لا تُبنى على الانتقائيّة، ولا على الاحتكارِ الأخلاقيّ.
الجريمةُ تبقى جريمةً، أيًّا كان الضحيّة، وأيًّا كان الجاني.
وما دام نتنياهو وأمثالُه يُصرّون على تحويلِ الألمِ الإنسانيّ إلى رأسِ مالٍ سياسيٍّ، فإنّ العالم سيبقى أسيرَ خطابٍ زائفٍ، يُدينُ الكراهيةَ نظريًّا، ويُمارسُها عمليًّا.
العدالةُ لا تحتاجُ إلى شعوبٍ مُختارةٍ، بل إلى قانونٍ واحدٍ، وكرامةٍ واحدةٍ، ومعيارٍ واحدٍ للجميع

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...