السبت، 7 مارس 2026
بيروت
11°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة، بل فكرة وطنٍ يقوم على الشراكة بين مكوّنات متعدّدة اجتمعت لتبني دولة تتّسع للجميع.

المشكلة التي واجهها لبنان عبر تاريخه لم تكن في تنوّعه، بل في محاولة بعض القوى تحويل هذا التنوع إلى معادلة هيمنة. فكلّما حاول فريق أن يتصرّف وكأنّه صاحب الحق الحصري في الوطن، دخل البلد في دوّامة صراعات وانقسامات، لأنّ فكرة الاحتكار تتناقض مع طبيعة لبنان نفسه.

لبنان ليس وطناً لطائفة واحدة، ولن يكون كذلك. هو وطنٌ لجميع أبنائه، بكلّ طوائفهم وانتماءاتهم. ومن يصرّ على التعامل معه كأنه مساحة نفوذ لفريق دون آخر، إنما يقود البلد إلى مزيد من التصدّع بدل أن يساهم في بنائه.
لقد أثبتت التجارب المتكرّرة أنّ كل محاولة لاحتكار لبنان أو إخضاعه لمنطق الغلبة سرعان ما تقود إلى الأزمات.

فالدول التي تُبنى على الإقصاء تبقى هشّة، أمّا الدول التي تقوم على التوازن والعدالة فتكون أكثر قدرة على الاستمرار.
والحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أنّ لبنان لا يقوم بالغلبة بل بالتوازن، ولا يستمر بالإقصاء بل بالشراكة. وأي مشروع سياسي يقوم على تفوّق طائفة على أخرى هو مشروع محكوم بالفشل، لأنه يتجاهل طبيعة هذا البلد وتركيبته.

إن إنقاذ لبنان لا يبدأ بإعادة توزيع النفوذ بين الطوائف، بل بإعادة تثبيت فكرة الدولة. دولةٌ يشعر فيها كل مواطن أنّه شريك كامل في الوطن، لا تابعٌ لزعيم ولا ضيفٌ في أرضه. دولةٌ يكون فيها القانون هو المرجعية الوحيدة، لا موازين القوى الطائفية.

لبنان يحتاج اليوم إلى إعادة تعريف العلاقة بين أبنائه: علاقة مواطنين في دولة واحدة، لا جماعات تتنافس على اقتسام وطن. فالوطن لا يُدار بمنطق الحصص، ولا يُبنى بعقلية الغلبة، بل يُصان عندما يشعر الجميع أنّه بيتهم المشترك.
إن أكبر خطر على لبنان ليس تنوّعه، بل محاولة تحويل هذا التنوع إلى ساحة صراع دائم. فالتنوّع يمكن أن يكون مصدر غنى إذا حُكم بمنطق الدولة، لكنه يتحول إلى مصدر نزاع إذا أُدير بمنطق الطوائف.

لهذا فإن معركة لبنان الحقيقية اليوم ليست بين طائفة وأخرى، بل بين مشروعين: مشروع الدولة التي تجمع الجميع تحت سقف القانون، ومشروع النفوذ الذي يحاول أن يحوّل الوطن إلى ملكٍ لفئة دون سواها.

وفي النهاية تبقى الحقيقة بسيطة وواضحة، لبنان لم يُخلق ليكون غنيمة يتقاسمها الأقوياء، ولا مساحة نفوذ تحتكرها طائفة دون أخرى. لبنان وُجد ليكون وطناً مشتركاً لجميع أبنائه، وإذا ضاعت هذه الحقيقة… ضاع الوطن نفسه.

لبنان إمّا أن يكون وطناً لجميع أبنائه… أو لن يكون وطناً لأحد.
حين يصبح الوطن ملك طائفة، يموت الوطن. وحين يصبح وطناً للجميع، تولد الدولة…

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...

نقطة ضعف ... الأقوياء

لا ريب ان قراءة القرآن في رمضان هي القلب التعبّدي للطاعة المميّزة ، و من المؤكد ان معظم القصص قرأناها لمرات عديدة، وربما أحسست ان البعض منها كأني اتلوها لأول مرة و أتعجب من ذاكرة...

دير الأحمر تفتح ابوابها من جديد لمهجري الجنوب

كعادتها، تُثبت دير الأحمر، الأخت الشقيقة لبعلبك والهرمل، في أصعب الظروف وأحلكها، أنها مبادرةٌ لا تتردّد، وحاضنةٌ لا تتفرّج. وكما في أيلول 2024، ها هي اليوم، وفور اندلاع العدوان...