الإثنين، 8 يونيو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين يُسرَق الخبز من أفواه الفقراء... وعلى أبواب الرحمة

في لبنان، لم تعد المحروقات مجرّد أرقامٍ تُعدَّل في جداول رسمية، بل صارت امتحانًا يوميًا لكرامة الناس. لم يعد البنزين سائلًا يُضخّ في خزّان، بل عبئًا يُسكب فوق صدور العائلات المثقلة أصلًا. وكلّما تحدّثت السلطة عن “تصحيح”، كان التصحيح يقع على ظهور الفقراء. وكلّما بشّرت بـ”توازن”، اختلّ الميزان في بيوت المعدمين.

ثلاثمئة ألف ليرة تُضاف إلى صفيحة البنزين ليست تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل لقمة تُقتطع من مائدة، ودواء يُؤجَّل، وأبًا يقف صامتًا أمام أولاده عاجزًا عن تفسير هذا الانفلات اليومي في الأسعار. إنّها سلسلة نار تمتدّ من المضخّة إلى الرغيف، ومن الطريق إلى الصيدلية، ومن أجرة النقل إلى كلفة كل سلعةٍ على الرف.

وأيُّ قسوةٍ أشدّ من أن يأتي هذا القرار ونحن على أبواب شهر رمضان؟ شهر الرحمة، شهر الإحساس بجوع الآخرين، شهر الزكاة والتكافل. الناس تتهيّأ لاستقبال الهلال بالدعاء والرجاء… فبأيّ شعورٍ تُستقبل قرارات تزيد الجوع جوعًا، والقلق قلقًا؟

كيف ندخل زمن الإمساك عن الطعام، فيما كلفة الخبز ترتفع؟ كيف نتحدّث عن الصفح، والفواتير تتضاعف، وأجرة الطريق تثقل، وكلفة الدواء تُرهق؟ أليس في التوقيت ما يدعو إلى وقفة ضمير؟ إلى لحظة إنصافٍ تُنصت لنبض الشارع المتعب؟

يقولون: نريد تصحيح الأجور. ونقول: هل يُداوى الجرح بالأداة نفسها التي عمّقته؟
المحروقات ليست ترفًا. هي شريان الحياة في بلدٍ أنهكته الأزمات. تدخل في كلفة الرغيف قبل أن يولد في التنور، وفي ثمن الدواء قبل أن يصل إلى يد المريض، وفي كل حركةٍ من حركات هذا الشعب الصابر.

إنّ رفع سعر المحروقات ليس إجراءً تقنيًا باردًا، بل قرارٌ إنساني وأخلاقي بامتياز. إمّا أن تكون مع الناس… أو تكون عليهم. إمّا أن تحمي قدرتهم الشرائية… أو تتركها تتآكل بصمتٍ موجع.

الدولة التي تعجز عن مواجهة الهدر والفساد، لا يجوز أن تجد في جيب الفقير الحلّ الأسهل. والدولة التي تتردّد أمام الامتيازات والكماليات، لا يليق بها أن تتجرّأ على لقمة الفقراء.

أيّها المسؤولون، شهر رمضان ليس موسم خطابات، بل موسم اختبار. والرحمة ليست مفردةً تُتلى، بل قرارًا يُتَّخذ. والناس لا تطلب معجزات، بل تطلب أن تدخل هذا الشهر بكرامة لا بقلق، بسكينة لا بديون، بموائد متواضعة آمنة لا بموائد مهدَّدة.

هذه ليست معركة بنزين… إنّها معركة كرامة. صرخة وجعٍ في وجه الجوع، وسؤالٌ يُطرَح قبل أن يُرفَع الأذان: هل في القلوب متّسع لرحمةٍ بحجم هذا الشعب؟ ارحموا من في الأرض… كي يرحمكم من في السماء…

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نفاد الصبر الاستراتيجي ، بداية العمل الصح...

تأخر الصبر الاستراتيجي طويلا الا انّه الليلة قد انتهى ويبدو ان العمل المجدي قد بدأ فعلاً . واخيراً تحركت طهران لردّ جميل بعلبك والنبطية ليكون المشهد اكثر توازناً ولو ان لا توازن...

شاب سوري يقول : أنا علوي أنا لست مسلماً ... وديني غنوصي وهو خليط من الفلسفة الزرادشتية والهندوسية والكونفوشيوسية واليونانية

مرحبا أنا مواطن سوري : أنا علوي أنا لست مسلم ، وأنا أعبر عن ذاتي في هذا المقال وليس هدفي أن أحط من شأن المسلمين وأنا أعتقد أن كل إنسان من حقه أن يكون عنده المعتقد الفكري والديني...

أمريكا وإيران والنووي

الخبر: قال رئيس أمريكا ترامب يوم السبت 2026/5/23، إنه جرى التفاوض على جزء كبير من مذكرة تفاهم حول اتفاق للسلام مع إيران. وكتب على منصة “تروث سوشيال” “تجري حاليا...

الدراسة الجامعية ودورها في صناعة النجاح

في بداية خمسينيات القرن الماضي أعطى والدي الى زوج ابنته وابنه الأكبر مبلغا من المال قائلاً : اقصدا بيروت وتدبرا أمركما … كان لبنان وسوريا يتمتعان بروابط مشتركة من حرية...

"العراق على مذابح التحولات" كيف أستحالت بلاد الرافدين إلى رقعة شطرنج للمواجهة الأميركية _ الإيرانية

يشهد العراق اليوم مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، تتجاوز الخلافات التقليدية حول المناصب وتقاسم السلطة داخل القوى الشيعية، لتصل إلى صراع أعمق يتعلق بمستقبل الدولة نفسها. فالمشهد...

"مبادرة حصر السلاح بيد الدولة" في العراق !

في خطوة زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، دمج سرايا السلام ضمن الإطار الرسمي العراقي في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد يعيشها العراق تعود قضية حصر السلاح بيد الدولة لتتصدر...