الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

خطابُ القوّة المُستعلِية… ورسالةُ التهديدِ إلى لبنا

من داخلِ قاعةِ الكنيست الإسرائيلي، تكلّمَ دونالد ترامب اليوم بلهجةٍ المُنتصِر، فيما كانت الضحكاتُ تعلو وجوهَ الحاضرين، والتصفيقُ يملأُ المكان، وكأنَّهم يُصفّقون لا لخطابٍ سياسيّ، بل لبيانِ تفوّقٍ يُكرِّسُ “إسرائيلَ” مركزًا للهيمنةِ في الشرقِ الأوسط.
ابتسمَ ترامب وتحدّث عن «سلامٍ يُبنى على القوّة»، وعن «شرقٍ أوسطٍ جديدٍ» و«فرصةٍ تاريخيّةٍ لمرحلةٍ ما بعد الحرب». لكنّ كلماته لم تكن رسائلَ سلامٍ، بل رسائلَ إخضاعٍ مغلَّفةٍ بالمديح، تُوجَّهُ إلى كلّ عاصمةٍ في المنطقة، وعلى رأسِها بيروت.
في السياسة، لا يُضحكُ الإسرائيليون عبثًا، ولا يُصفّقون إلاّ حين يشعرون أنّ واشنطن تتحدّث بلغتهم. واللغةُ التي تحدّثَ بها ترامب اليوم هي ذاتها لغةُ القوة التي تُشرعنُ الاحتلال وتُصوّرُ التدميرَ انتصارًا حضاريًّا.
فحين أعلن أنّ «الحرب انتهت» وأنّ «زمن الانتصارات الإسرائيلية بدأ»، لم يكن يُعلن نهايةَ حرب، بل بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ من الفرضِ السياسيّ، تُرادُ أن تكون على حسابِ الآخرين: الفلسطينيّين، السوريّين، واللبنانيّين على حدٍّ سواء.
لم يكن طلبُ ترامب من الرئيس اللبناني “سحبَ سلاح الحزب” تفصيلاً عرضيًّا.إنّه الجوهر الحقيقيّ للخطاب، ومفادُه أنّ زمنَ “الازدواج” بين الدولة والمقاومة يجب أن ينتهي، وأنّ واشنطن وتل أبيب ستتعاملان مع لبنان وفقَ معيارٍ واحد…إمّا دولةٌ تُنَفِّذُ، أو دولةٌ تُعاقَب.
بهذه البساطة يريدون تحويلَ المقاومة من درعٍ وطنيٍّ إلى عبءٍ سياسيّ، ومن عنوانِ حمايةٍ إلى مادّةِ تفاوضٍ على السيادة.إنّهم يُعيدون إنتاجَ معادلةٍ قديمةٍ: «سلِّموا السلاحَ لنحميكم»، بينما التجربةُ تُثبتُ أن من سلّمَ سلاحَهُ سُلِبَ أمنَهُ وقرارهُ في آنٍ واحد.
خلفيّة الاستعلاء الأميركيّ كالعادة فهذا الخطاب ليس مبادرةَ سلامٍ، بل وثيقةُ وصايةٍ جديدةٍ على المنطقة.
ترامب، في عودته المدوية إلى المشهد، أراد أن يُذكّر العالم بأنّ الشرق الأوسط لا يتحرّك إلّا بإشارةٍ من واشنطن، وأنّ “إسرائيل” هي الذراعُ التنفيذيةُ لمشروع “السلام بالقوّة”.
ضحكُ النواب الإسرائيليين وتصفيقُهم كان إعلانًا ضمنيًّا أنّ “النصرَ السياسيّ” قد تحقّق، وأنّ زمنَ التوازنِ قد انتهى، ليبدأ زمنُ الإملاء.
لبنان في عين العاصفة، لكن ليعلموا ان لبنان ليس دولةً صغيرةً في هذا السياق كما يظنّون.
فهذا الوطن الذي احترقَ مرارًا ووقفَ من رماده، يملكُ ما لا تملكُهُ “إسرائيلُ” نفسها..إرادةُ الصمود، وسلاحُ المقاومة ليس بندقيّةً على كتف، بل ذاكرةُ أمةٍ رفضت أن تُستباح.
من يطلبُ من لبنان أن يتخلّى عن سلاحِه، يطلبُ منه أن يخلعَ جلدَه، أن يتنازلَ عن آخر عناصرِ توازنه، وأن يقبلَ بأن يعيشَ تحت رحمةِ عدوٍّ لا يعرفُ الرحمة.
خطابُ ترامب اليوم هو تدشينٌ لمرحلةِ ما بعد الحرب على غزة ولبنان، تُرادُ فيها إعادةُ توزيعِ القوى وطمسُ معالمِ الانتصاراتِ المعنويّةِ التي حقّقها محورُ المقاومة.
لكنّ ما غابَ عن ذهنِ الأميركيّ أنّ الشعوبَ التي صمدت تحت النار لا تُروَّضُ بالتصفيق ولا تُخدَعُ بابتساماتٍ في الكنيست.
لبنان لن يُسلّم سلاحَه، لأنّه لم يستعِره من أحد.
ولن يخضعَ لوصايةٍ، لأنّ من عاشَ على حافةِ الموت، لم يَعُد يخافُ من التهديد.
فليضحكوا ما شاؤوا، وليُصفِّقوا لأنفسهم،
أما نحن، فسنكتبُ التاريخَ كما كتبناه من قبل..بدمٍ يَحمي الكرامة، لا بتصفيقٍ يُبرّرُ الاحتلال.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...