السبت، 7 مارس 2026
بيروت
11°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

دير الأحمر تفتح ابوابها من جديد لمهجري الجنوب

كعادتها، تُثبت دير الأحمر، الأخت الشقيقة لبعلبك والهرمل، في أصعب الظروف وأحلكها، أنها مبادرةٌ لا تتردّد، وحاضنةٌ لا تتفرّج. وكما في أيلول 2024، ها هي اليوم، وفور اندلاع العدوان الصهيوني على لبنان، تسارع إلى تشكيل خلية أزمة لمتابعة شؤون الإخوة «الضيوف»، كما سمّاهم رئيس بلدية بتدعي والرئيس السابق لاتحاد بلديات دير الأحمر، الأستاذ جان فخري: «كنّا وسنبقى أهلًا وإخوةً وجيرانًا… فهم في قلوبنا قبل بيوتنا».

وقد سخّر اتحاد بلديات دير الأحمر والبلديات التابعة له كل إمكاناتهم لتنظيم استقبال الوافدين وتوزيعهم على المدارس والصالات، فضلًا عن البيوت التي عجّت بالأحباب والأصحاب من القرى والبلدات المستهدفة، والعمل على تأمين ما تيسّر من مساعدات بانتظار دعم الدولة، في خطوةٍ نالت تقدير المهجرين . كما عمل عناصر الاتحاد والبلديات على تنظيم مراكز الإيواء وحماية السلامة العامة، حرصًا على أمن الجميع وإدارة الوضع الاستثنائي بأفضل طريقة ممكنة.

ولا يقتصر التضامن على المساعدة المادية فحسب، بل يتعدّاه إلى الحضور القلبي والمشاعر الإنسانية الصادقة. فقد فتح الأهالي منازلهم وحدائقهم وأوقاتهم للضيوف، واستمعوا إلى قصصهم وهمومهم، وشاركوهم وجباتهم وذكرياتهم، ليشعر الوافدون بأنهم في وطنٍ ثانٍ يحتضنهم بمحبة ودفء. هذا التفاعل اليومي صنع رابطًا عميقًا بين الناس، متجاوزًا الانتماءات والطوائف، ومؤكّدًا أن الإنسانية، في أوقات الشدة، تبقى الأقوى.

وعلى الرغم من الصعوبات والتحديات اللوجستية، ظلّ أبناء دير الأحمر نموذجًا للتعاون والتكافل. فالعمل الجماعي بين الاتحاد والبلديات والمجتمع المحلي أظهر قدرة البلدة على مواجهة الأزمات بتخطيطٍ وتنظيمٍ ورؤيةٍ واضحة، مؤكدين أن أي ظرف يمكن تجاوزه بالتنسيق والصبر والمحبة. إنها الروح التي ترسم صورة لبنان الذي نحلم به، وطنٌا يتّسع للجميع، وبيتٌا لا يترك أحدًا وحيدًا في محنته.
وفي مشهدٍ يختصر الحكاية أكثر من أي بيان رسمي، وبضحكاتٍ عالية ولهفةٍ صادقة، استقبل شربلُ محمدَ القادم من البقاع الغربي قائلًا: «اشتقتلك يا زلمة، وين هالغيبة؟ رزق الله أيام القعدات». فضحك محمد وأجابه: «صحيح كانت حرب، بس إنتو نسّيتونا الهموم والوجع». فردّ شربل بحسم: «نحنا دايمًا حدّكم… هيدا بيت خيّك».

وربيع، الذي تردّد إلى المنطقة مرارًا بعد حرب 2024 وبنى صداقاتٍ مع عددٍ من أبنائها، قال: «جيت ع دير الأحمر بهديك الحرب وكنت خايف، بس ما شفت إلا كل خير. كانوا أهل وسند. خلصت الحرب وبقي التواصل. لما زوّجت بنتي حضروا العرس وهنّوها، ومن وقتها صرت أجي أكتر… الله يديم المحبة. صرت أحسّ حالي بضيعتِي».

أما روني، فاتصل بصديقه حسن معاتبًا: «ليش ما جيت؟ إنت منيح؟ تعا وجيب عيلتك… ولو، البيت بيتك».
كثيرةٌ هي القصص التي تُفرح القلب رغم الحزن والألم، وتعيد رسم صورة لبنان كما نحبّه، بيتًا واحدًا تتّسع جدرانه للجميع، حيث التضامن الإنساني يتجاوز أي تقصيرٍ رسمي.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...

نقطة ضعف ... الأقوياء

لا ريب ان قراءة القرآن في رمضان هي القلب التعبّدي للطاعة المميّزة ، و من المؤكد ان معظم القصص قرأناها لمرات عديدة، وربما أحسست ان البعض منها كأني اتلوها لأول مرة و أتعجب من ذاكرة...