السبت، 7 مارس 2026
بيروت
13°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

رصاصة "ممدانى" فى رأس "ترامب"

بدا كعاصفة رياح عاتية حارة قادمة من الجنوب العالمى بثقافاته وأديانه وأشواقه ، إنه “زهران ممدانى” الفائز أخيرا على نحو ساحق بمنصب عمدة مدينة “نيويورك” ، أكبر وأغنى مدينة أمريكية ، وعاصمة المال والأعمال فى الدنيا كلها ، وفيها وفى ولايتها 180 ألف مليونير و144 مليارديرا ، وفيها “بورصة وول ستريت” وبرج “دونالد ترامب” ، الذى حطم فوز “ممدانى” أسطورته البهلوانية الكاذبة ، وفى “نيويورك” أيضا ، جرت حوادث 11 سبتمبر 2001 وتدمير
برجى مركز التجارة العالمى ، التى استنفرت وقتها موجة هائلة من مشاعر “الإسلاموفوبيا” وكراهية المسلمين ، لم تسلم منها عائلة “ممدانى” نفسه ، وكانت من ضحاياها نجلة عمته ، ونصحه عمه أول قدومه لأمريكا ، أن يخفى هويته كمسلم ، وقد فعل “زهران” العكس بالضبط ، وخرج من ظلال التخفى إلى أضواء الافتخار بإسلامه ، فقد جاء “ممدانى” من أصول هندية وأفريقية مختلطة ، ولد قبل 34 سنة فى “كمبالا” عاصمة أوغندا ، وانتقل للعيش سنوات فى “كيب تاون” بجنوب أفريقيا ، وذهب مع والديه مهاجرا إلى أمريكا ، أمه من أصول هندوسية ، وهى منتجة ومخرجة سينمائية ، ووالده “محمود ممدانى” مسلم شيعى ويعمل أستاذا فى جامعة “كولومبيا” ، وزوج “زهران” نفسه الفنانة التشكيلية “راما دوجى” من أصول عربية سورية “علوية” ، وفى شهور حملته الانتخابية اللاهثة ، أنفق خصومه العتاة عشرات ملايين الدولارات لاغتياله معنويا ، وصوروه كأنه “إرعابى جهادى” ، ومن دون أن يكف “ممدانى” عن الجهر بصفته كمسلم يعتز بدينه ، وكتقدمى منفتح على الثقافات كلها ، ووجه رسالة مؤثرة باللغة العربية ، قال للمهاجرين العرب الأمريكيين فيها ، وبالنص ما يلى “أنا صهركم (..) وأحب الكنافة النابلسية (..) وأدعوكم للقدوم إلى نيويورك ، وعمل مشاريعكم الصغيرة فيها” .
وفى خطاب النصر الذى تحدى فيه “ترامب” ، أعرب “ممدانى” عن عظيم اعتزازه بكونه مهاجرا ، وقال أن “نيويورك” هى مدينة المهاجرين ، وأنه أول عمدة للمدينة الكبرى من المهاجرين ، وكان “زهران” قد اكتسب الجنسية الأمريكية عام 2018 ، أى فى عهد رئاسة “ترامب” الأولى ، وكان نشاطه السياسى والاجتماعى طافرا بالحيوية المتدفقة ، وفاز بمقعد ثمين فى مجلس بلدية نيويورك ، وشارك فى إضراب السائقين ، واتسعت دوائر تكوينه وشغفه الثقافى والفنى ، وعمل مغنيا فى فرق موسيقى “الراب” وفى رقصات وثقافة “الهيب هوب” ، واندمج فى تيار الرفض والاحتجاج الثقافى الاجتماعى ، وكانت اختياراته نابعة من رقى تربيته الأولى ، ودراسته الجامعية العالية ، وكسب نطاقا متسعا من التأييد العابر لثقافات وأعراق المهاجرين المضطهدين ، وكانت الدفعة الكبرى فى حياته السياسية فى يونيو 2025 ، حين اختاره أعضاء حزبه الديمقراطى بالأغلبية مرشحا لهم على منصب “عمدة نيويورك” ، ولم يرق ذلك أبدا لحملة مفاتيح “الحزب الديمقراطى” ، ولا للمليارديرات وجماعات الضغط الكبرى ، وصمموا على ترشيح “أندرو كومو” عمدة نيويوك السابق المستقيل بفضيحة جنسية ، الذى أيده “ترامب” بقوة وأهمل مرشح حزبه الجمهورى ، وعلى الرغم من ذلك فاز “ممدانى” ، الذى يتقن ويتحدث باللغات “الأوردية” و”الهندية” و”الأسبانية” و”العربية” مع “الإنجليزية” إلى جماهير المهاجرين ، وهم يشكلون ثلث سكان “نيويورك” على الأقل ، وكثف اعتماده على وسائط التواصل الاجتماعى المتاحة ، وكسب لحملته مئة ألف متطوع متحمس ، وكان ذلك من أسرار فوزه المذهل ، وصعوده لمنصب العمدة بامتياز ، وكأصغر عمدة للمدينة منذ مئة سنة .
غير أن السر الأعظم فى دراما صعود “ممدانى” ، كان فى انحيازه الاجتماعى الصريح المباشر ، فهو يصف نفسه بأنه “اشتراكى ديمقراطى” ، ويصفه الخصوم وأولهم “ترامب” بالشيوعية ، وكان يفضل عليه “كومو” الديمقراطى السيئ “الفاسد” ، وبما يذكر بالحملات “المكارثية” ضد المثقفين الاشتراكيين والشيوعيين فى خمسينيات القرن العشرين ، لكن ضراوة الحملات الموجهة ضده فى شبكات التليفزيون الكبرى وإعلاناتها ، لم تزد “ممدانى” إلا صلابة وإصرارا وشجاعة على الجهر بانحيازاته الراديكالية للفقراء والطبقة العاملة والمهمشين ، على الرغم من أن “ممدانى” شخصيا وأهله من الطبقة الوسطى المستريحة ، وقدم “زهران” برنامجه المؤلف من عنوان قصير هو “خفض تكاليف المعيشة” ، عبر زيادة وتحصيل الضرائب من الأثرياء والمليارديرات ، وتمويل برنامج لتثبيت إيجارات الشقق والمنازل ، وبناء 200 ألف وحدة سكنية جديدة ، وإتاحة التنقل بالمجان للفقراء فى وسائل المواصلات العامة ، وتوفير الرعاية شبه المجانية للأطفال ، والقضاء على الفساد البيروقراطى ونهب الأموال والتهرب الضريبى ، وحفظ كرامة آلاف المشردين فى شوارع المدينة ، التى يبلغ ناتجها الإجمالى سنويا أكثر من تريليون دولار ، ويعيش أغلب سكانها الإثنى عشر مليونا فى ضنك ومعاناة مع تردى الخدمات العامة ، وبسبب صراحته اليسارية وطلاقة لسانه وجاذبيته الشخصية الفياضة ، فقد استطاع “ممدانى” هزيمة “ترامب” شخصيا ، ولم يهزم فقط غريمه المحلى “كومو” ، وكهنة الحزب الديمقراطى المتواطئين فعليا مع الأغنياء ، ومع “إيلون ماسك” ، الذى هاجم “ممدانى ” بقسوة وحذر من “شيوعيته” ، و”ماسك” هو أغنى أغنياء العالم وتقترب ثروته حثيثا من رقم التريليون دولار .
ولا تخفى أبدا نزعة “ممدانى” الفلسطينية ، فوالده الأستاذ بجامعة “كولومبيا” ، كان صديقا للمفكر الفلسطينى العالمى الراحل “إدوارد سعيد” ، وواجه الوالد “محمود ممدانى” حملة الصهاينة المسعورة ضد المنحازين للحق الفلسطينى ، وركام اتهاماتهم السخيفة بالعداء للسامية والعداء لليهود ، ومن أقواله الأساسية المضيئة ، أن العداء للصهيونية ليس عداء للسامية ، وورث “زهران” عن أبيه رؤيته التقدمية المنحازة لحق تحرير فلسطين ، وصحيح أنه عبر عن اختلافه مع “حركة حماس” مرات ، لكنه لم يتخلف فى حياته الناضجة ونشاطه العام عن مساندة القضية الفلسطينية العادلة ، وفى سنوات دراسته الجامعية ، انتمى وساند بحرارة حركة طلابية باسم “حركة العدالة من أجل فلسطين” ، وفى السنوات الأخيرة لم يتخلف أبدا عن نصرة المقاومة ، ورفض “حرب الإبادة الجماعية” الأمريكية “الإسرائيلية” فى غزة ، وطالب مرارا باعتقال “بنيامين نتنياهو” مجرم الحرب المدان من محكمة الجنايات الدولية ، وهدد بتنفيذ أمر اعتقال “نتنياهو” إن جاء إلى مقر الأمم المتحدة فى “نيويورك” ، ونعت “إسرائيل” بأنها دولة إبادة جماعية وفصل عنصرى ، وعلى الرغم من وجود جالية يهودية كبيرة فى “نيويورك” ، هى أكبر جالية يهودية خارج كيان الاحتلال ، وتمثل ما يزيد على عشرين بالمئة من إجمالى عدد اليهود الأمريكيين ، فوق أن “نيويورك” نفسها أكبر مسارح نشاط اللوبى الصهيونى ، وجماعة “الآيباك” عاتية النفوذ فى توجيه السياسة الأمريكية ، إلا أن “زهران” ظل يميز بوضوح بين اليهودية كدين ، وبين الصهيونية كعقيدة احتلال استيطانى إحلالى إفنائى للفلسطينيين ، وخاطب أجيال اليهود الجديدة بالذات ، واستطاع “زهران” الحصول على ثلث أصوات الناخبين اليهود فى “نيويورك” ، بينما حصل “كومو” والمرشح الجمهورى على الثلثين الباقيين ، وكان ذلك هزيمة مضافة لدوائر النفوذ الصهيونى فى أهم قلاعه ، وهو ما يفسر ردود الفعل الإسرائيلية المفزوعة المصدومة المرتعبة من عواقب فوز “ممدانى” ، وعلى طريقة صيحة “سقطت نيويورك” التى أطلقها وزير الحرب والخارجية “الإسرائيلى” الأسبق “أفيجدور ليبرمان” ، وتحذيرسفير العدو السابق فى واشنطن ” جلعاد إردان “من صدمة نيويورك ، وتخوفه من احتمال تكرارها فى كل أنحاء الولايات المتحدة وفى الكونجرس وحتى فى البيت الأبيض ! .
وفى تطورات الداخل الأمريكى ، فقد أطلق فوز “ممدانى” رصاصة خارقة فى رأس “ترامب” ، خصوصا أنه تزامن وفى الليلة ذاتها مع انتصارات انتخابية بالجملة للحزب الديمقراطى ، فقد فاز الديمقراطيون بمنصبى حاكمى ولايتى “نيوجيرسى” و”فرجينيا” ، إضافة لنجاح الاستفتاء الشعبى الذى أجراه الديمقراطيون فى ولاية “كاليفورنيا” لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية لصالحهم ، والرد بالمثل على ما فعله “ترامب” فى ولاية “تكساس” ، وهو ما عكس تطورا ونوعا من صحوة الديمقراطيين ، وتوقع فوزهم على “ترامب” وحزبه فى انتخابات تجديد مجلسى الكونجرس فى نوفمبر 2026 ، وهو ما انعكس على مزاج ترامب المتقلب العشوائى ، الذى تنصل من المرشحين الجمهوريين الخاسرين ، وقال ببساطة “لم يكن اسمى على بطاقات الاقتراع” (!) ، وأرجع هزائم حزبه إلى امتداد حالة الإغلاق الحكومى ، التى تخسر أمريكا بسببها نحو 15 مليار دولار كل أسبوع ، وتؤثر سلبا وبشدة على الخدمات العامة الصحية والمعيشية والطيران الداخلى بالذات ، وهذه أطول فترات الإغلاق فى التاريخ الأمريكى كله ، وتشكل مأزقا لحكم “ترامب” ، وتفاقم ضيقا بين ملايين الأمريكيين من استبداد “ترامب” وأكاذيبه الفاقعة عن حالة الاقتصاد ، وصحيح أن “ممدانى” لا ينتمى إلى التيار الوسطى الغالب فى “الحزب الديمقراطى” المعارض اليوم ، وأنه ينتمى إلى الاتجاه الديمقراطى التقدمى ، وهو يضم عددا قليلا من القيادات البارزة فى زعامة الحزب المنهك لا يزال من بؤس فترة حكم “بايدن” ، لكن خيبة حكم “ترامب” المبكرة ، قد تمنح “الحزب الديمقراطى ” أنفاس إفاقة ، بدت ظاهرة للعيان لحظة فوز الفارس “زهران ممدانى” .

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...