مرّ على وجوده مع اللصوص والمجرمين والمحتالين في السجن ثلاثة اشهر، الفارق بينه وبينهم أنّه بريء حقاً من تهمة ورّطه فيها مخبر حاقد ،ومحقق مستعجل ،وقاضي تحقيق لم يطلّع بدقة على ملّف الموقوف .
لا يقرأ القاضي عادة الملف كلّه ،حتى لو كان فارغاً.
اعتاد المحقق والقاضي اعتبار كل مَن يُجلب أمامهم :متّهم و محتال و ماكر يحاول تبرئة نفسه بالرجاء والاستجداء ،وما عليهما الا إثبات عدم براءته.
اعتادا رؤية الآخر متهما وذليلاً، عكس ما يتعلمونه فإنهم لا يرون الآخرين غير متهمين حتى تثبت جريمتهم.
ألقي القبض عليه ببلاغ كاذب من ماكر، له ضدّه ثأر قديم، لا شيء غير منافسة اجتماعية إذ تحترمه البلدة لاستقامته وتتجاهل المخبر وتحتقره.
ازمة المحقق معه انّه التزم الصمت أثناء التحقيق، وازمة القاضي معه أنّه رفض ان يجيبه على اسئلته، ثم رفض فيما بعد المثول بين يديه لأنّه شعر ان في المعاملة استعلاء وانتظار للتوضيح وطلباً للرحمة، كلما دعاه السجّان للخروج من الزنزانة لجلبه إلى القاضي ،كان يرفض الخروج ويلتزم الصمت ،ما استفز القاضي ودعاه لتأجيل البت في قضيته .
المحقق ظنّ ان في الصمت إخفاء لاسرار مهمة يجهلها، ويريد ان يعرفها والقاضي اعتبر عدم مثول السجين امامه قلّة احترام لهيبته العظيمة ،وهو الذي يحضر الى مكتبه ساعة يشاء علما ان أمانة السرّ ترسل للشهود ان يحضروا عند الساعة التاسعة صباحا وإلا..
لم يثبت شيء ضد السجين ،غير بلاغ و وشاية لم يثبت أحد صحّتهما.
مع الايام شعر المحقق والقاضي أنهما محرجان مع هذا السجين الملتزم الصمت ،والرافض مغادرة زنزانته، كل الناس تسألهما عن التهمة التي اودعاه من أجلها السجن ولا جواب مقنع عندهما .
لا إثبات عندهما انّه يملك معلومات، و عن أية قضية يبحثان معه غير أن اسمه قد زجّ به انّه مشتبه به بتأسيس ألوية حمراء ،وتزعّم مئة فارس ملثم وشجاع لإنقاذ البلاد.
هل يقول المحقق انه شك أن في صمته معلومات ما يريد أن يعرفها ؟وهل يقول القاضي انّه يبقيه في السجن ليكسر عناده الذي جرح نرجسيته كقاض يهابه الجميع؟
انتشرت قصة السجين ، صاحب الملف الفارغ وصار المحامون والاعلاميون والصحافيون والمثقفون يتداولون حكاية السجين البريء، الذي دخل السجن ويرفض الخروج منه.
صارت الحكاية حديث الناس وأسئلة تطارد المحقق والقاضي اينما كانوا.
السجين لا يتكلّم، يجلس في زاوية الزنزانة يقرأ ويكتب ،غير مهتمّ بما يدور من حوله، يرفض كل زيارات الأهل والأصدقاء .
يلتزم الصمت، صمتاً ملأ المدينة ضجيجاً.
المحقق والقاضي يريدان معرفة سرّ صمت البريء ،حتى تثبت ادانته ،والبريء عنيد يريد أن يهذب وان يوقظ ضمير المحقق والقاضي ،لا بل السجين في عزلته يظنّ انّه قادر ان يعيد الرشد للعدالة لإنقاذ المدينة من مزاجية قضاء لا يحقق ولا يدين المجرمين الحقيقيين .
هي معركة بين الأمن والحكمة، بين قضاء قابل ان يتحرك بوشاية من مخبر حقير ضد براءة مواطن، معركة بين أهل النكاية والكيدية و اهل الاستقامة و الاتزان.
اتصل القاضي الاكبر بالمحقق والقاضي ،وطلب منهما زيارة البريء في السجن و ختم الملف معه في الزنزانة.
عندما حضرا كقضاء اليه، وقف الطبيب والكاتب مُرحباً بهما ، وقال لهما مهللاً:
الان انتصرت العدالة،
الان أنهيت الحلقة الأخيرة من روايتي بعنوان :
” عدالة لا قضاء”.
والله اعلم.


