الكثير منّا يتسمّر امام لوحة يكفي انها اخذت شهرة ،فيقف حتى لا يبدو خارج المنطق محلّلاً ومفسّرا لتغدو بعض اللوحات كأنها المزار، او لأخذ لقطة معها للتفاخر ..
ففي متحف اللوفر الباريسي اضطرت الإدارة الى وضع برنامج مراقبة ،إضافة إلى عداد حول اللوحة الأشهر في العالم ” الموناليزا ” و أسطورة المعنى في وجهها فكأن ” دافنشي ” حجز لنفسه مقعداً متقدماً من الشهرة المستدامة ، و كذلك الأمر بالنسبة لرسومات الشهير ” رافائيل ” الكنسية ” خاصة و ” بيكاسو ” و ” فإن غوخ ” .
غير ان تلك اللوحات الشهيرة قليلا ما تستقطب زيارة ثانية ، فالإكتفاء مليّا بها من المقابلة الأولى ،تكفي معظم من يهواه الأمر مع ميل أكبر لمشاهدة التراث العالمي و الآثارات الخالدة كالإهرامات و برج “بيزا” المائل الإيطالي و برج “إيفل “الفرنسي و شلالات “نياغارا” العملاقة في المسقط المائي الأكثر شهرة حتى يبدو المشهد الإجمالي الأكثر جذباً و ثباتاً و رواداً ،هو المناظر الكونية الطبيعية ،وليست تلك التي طوّرها أو بناها الإنسان ..
اما حزب القمر وخصوصا ًفي ابتداره ،فيبدو انه يجمع تواقيع أغلبية البشر، و على مدى الايام والازمنة المعاصرة و الغابرة .
فالمشهد الأول في الترتيب الإبداعي و بوفرة الإحتزاب له .ألا هو منظر غروب الشمس و ما يرافق العملية اليومية من اقتراب نحو الشفق و فرش البساط الأرجواني الرائع وغياب الوهج الساطع ،لتبدو الشمس قبل افولها كرة نورانية تستقر في شباك الأفق. هذا اللقاء شبه اليومي مع عشاقه، يترك الناس في مركباتهم مسمّرين ، متألقين في ابتكار الإيحاءات، و ربما الأشعار و فسحة النظر الذي يصطدم بالبُعد المطلوب لسلامة العين و بهجتها. كأن السحر الرباني كالمسكن الذي يريح الأعصاب ،ويبقى المشهد آسرا في صفاء الجو ،او عند تقلّب الغيوم .
و في يوم كنت ارقب فيه تمام انتهاء النهار ،و وعملية التسلم والتسليم ، و ذلك القرص العملاق ينحدر سابحا نحو المقلب الآخر، تملكتني نوبة من خيال عميق لمطاردة الشمس و الإطلاع على احوالها عند انطفاء آخر شمعة من بركانها المضئ . تركت لنفسي متعة إخراج و إنتاج رحلة ،من أحلام اليقظة لأمتطي البساط الطائر او الحذاء السحري الذي يسمح بالقفز فوق الموج دون الغرق ..
بدأت رحلتي عبر توقف الواقع المنطقي الى المغامرة لأصل معها الى خواتيم الغروب ، و قد كنت أظن ان وراء المدى البعيد بعد إنقطاع الوهج سأغرق في بحر الظلمات ،او اسبح في متاهات انعدام الوقت و الزمن، و خطوة خطوة في مسار تعقّب و مطاردة وجدت نفسي انني دائما مع الشمس في موكب الضوء ، و التفت الى الوراء حيث كنت استشعر الليل و انا عنه بعيدة حملتني المغامرة لأكثر من يوم ، فالشمس دائمة الطلوع عن كل جهة من كوكبنا و من يلحق بها يعيش دائما في زمن الضياء دون حسابات للزمن والنوم و الراحة ..
اتعبتني المغامرة لاني خرجت من دائرة تعاقب النهار و الليل و جاهدت للعودة الى ركني و منطقي و مع انها كانت رحلة خيالية.
انا مسمّرة في مكاني ففد تعلمت من التجربة اشياء لا تبدو لنا قيمتها و ضروريتها إلا في التسليم لأنظمة كانت منذ بدء الخليقة ستبقى حتى تسترد كل الأمانات الى نظام آخر نعلم عنه بالنقل وفق برنامج مختلف ..
… كم منّا يود تغيير كل شئ بالعالم؟ و كم من الأمم رفضت واقعها فانزلقت الى آتون الإحتراق ؟ و كم منا يحتزب لفكر ما ، او ينضوي تحت عقيدة روحانية معينة و يكره كل من لا يؤمن بمعتقده لتنتهي جولات من الإحتراب و يبقى كل فريق على نهجه بعد ويلات و تدمير و تهجير ووجع وحزن ؟ تعلّمت ان اقبل غياب الشمس و اقبل الرأي الآخر،…
تعلمت أن أحتمي من الليل بالقنديل أو الشمعة فهو يحتل كل يوم وقته من المعاهدة الأبدية بقبول كل الإختلافات الكونية وتعاقب الفصول ، فللقيظ سطوته و للبرد موسمه و للظلام و النور كل منهما له بساطه يفرده على قسم من الدنيا و يرحل و يعود .
تعلّمت ان مجرد المغامرة المستحيلة هي ضرب من خلل بالعقل و الإتزان، و تعلّمت ايضا و ايضا أننا و في مشروع قيامنا من كبوة الأعطال و تفريغ الأزمات لابد ان نعمل على بقاء صوتنا نقيا هادئا و ان لا نضع في آذاننا ما يمنعنا من سماع كل لأصوات .
فعند كل صباح نستيقظ على سيمفونية رائعة من مختلف النماذج ، فالسيارات تسير بطرق مختلفة منها يمينا و منها يسارا، و اصوات الباعة و رفع سواتر المخازن و المحلات في عزف جميل لبدء يوم من عمل و لو سار كل منا بإتجاه مختلف ففي إتجاه كل منا مصلحته .
تعلّمت ان نتصالح مع انفسنا و مع الآخرين لعقد صلح نهائي مع الله سبحانه و تعالى الذي خلق كل شئ ثم …. هدى .
….. فالشمس تشرق على الجميع بإبتسامة على الرغم من معرفتها بإختلافاتنا ..


