الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في اصطناع الميليشيات

جريدة "المصري اليوم"

فى إسرائيل حالة من التحدى واللغط، عبر القنوات الفضائية والمواقع الإخبارية، بين الوز السابق «إفيجدور ليبرمان»، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، ورئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو»، بالتأكيد هناك المنافسة أو المكايدة السياسية، لكن توجد أيضًا الأزمة الطاحنة التى تعيشها إسرائيل منذ عملية السابع من أكتوبر سنة 2023، كشفت الأزمة توحش إسرائيل وقدرتها على التدمير، ومع ذلك لم تحقق أهدافها المعلنة ولا يمكنهم الادعاء بأنهم حققوا نصرًا، ومن هنا غضب ليبرمان وغيره داخل إسرائيل من الحكومة الحالية، الغضب من فشل نتنياهو فى التعامل مع أزمة المختطفين لدى حماس.

قبل عدة أسابيع اتهم ليبرمان رئيس الوزراء بالمسؤولية عما يجرى منذ يوم السابع من أكتوبر قبل الماضى، بل وصل إلى اتهام نتنياهو بأنه «تواطأ» مع قادة حماس فى الداخل للوصول إلى هذا المشهد، عنده أن نتنياهو هو من توسط لدى قطر لتزيد المبلغ الشهرى لحماس، وكان المبلغ يصل إلى قادة حماس عبر مكتب نتنياهو، وأن الأخير منع الجهات الأمنية من اتخاذ أى إجراء تجاه زعماء حماس، بل لم يأخذ بجدية تحذيرات الضباط الميدانيين عما تقوم به حماس من تدريبات واستعدادات لهجوم السابع من أكتوبر. لكن كل تلك الأقوال أو الاتهامات لا يصعب تفنيدها، وعمومًا لم تؤخذ على محمل الجدية داخل إسرائيل ولا فى العالم العربى.

لكن ما قاله ليبرمان فى الأيام الماضية يجب أن نتوقف عنده، إذ اتهم رئيس الوزراء نتنياهو بأنه يقوم بتسليح «مجرمين ومتطرفين» من غزة بدعوى أنهم أعداء حماس ويتصدون لها، وأنه فعل ذلك دون الرجوع إلى مجلس الوزراء.

المفاجأة أن نتنياهو أقر بالعملية وقال: «بناءً على نصيحة الجهات الأمنية قمنا بتشغيل العشائر التى تعارض حماس»، وقال أيضًا: «هذا جيد، ينقذ حياة جنود. الكشف عنه يفيد حماس فقط».

حركة حماس من جانبها تدرك الأمر وأقرت بوجود «ميليشيات مسلحة» تتعاون مع الاحتلال وتقدم له العديد من الخدمات.

تقوم تلك الميليشيات بتقديم معلومات وخدمات أخرى لجيش الاحتلال أو عمليات سرقة للمعونات الغذائية المحدودة التى تصل إلى القطاع، بل سرقة سلاح مقاتلى حماس الذين يستشهدون وبيعه أو تسليمه للإسرائيليين.

أطلقت حماس على هؤلاء «وحدة مستعربين»، لكن من أبناء القطاع، تمكنت حماس من إطلاق النار على بعضهم، طبقًا لبعض التقارير سقط منهم أربعة وأصيب ضعف ذلك العدد، لوحظ فى الأيام الأخيرة أنهم يتركزون قريبًا من معبر «كرم أبوسالم»، حيث تصل المعونات، وفى مدينة رفح جنوب القطاع، قريبًا من الحدود المصرية، واحدة من تلك الميليشيات قادها مجرم سابق وقيل إن أفرادها تجاوزوا العشرات، وبسبب أفعال تلك الميليشيات أو العصابات المسلحة ذهب بعض المحللين إلى أن حماس لم تعد تسيطر على القطاع، وأن زمام الأمور على وشك الإفلات منها.

نحن بإزاء «بيان على المعلم»، فى اختلاق واصطناع ميليشيات مسلحة لتفجير المجتمع من داخله، ومع الوقت تصبح تهديدًا حقيقيًا للمجتمع وتفتته من داخله.

لنتذكر أن حماس بدأت هكذا، هناك اعتراف قديم بذلك من إسحق رابين، وزير الدفاع ورئيس الوزراء الأسبق، ثم تكرر الاعتراف على لسان شيمون بيريز، كان الهدف ضرب منظمة التحرير الفلسطينية وهدم كاريزما الزعيم الراحل ياسر عرفات.

مخاوف ليبرمان وغيره من المعارضين- الآن- أن تلك الميليشيات الجديدة فى لحظة يمكن أن توجه السلاح الذى قدمه لهم نتنياهو نحو إسرائيل.

تلك مخاوفهم، لكن- عمليًا- الاحتلال يقوم عن قصد بتخريب الحركة الوطنية الفلسطينية والحيلولة دون أن تكون كتلة متماسكة وملتفة حول المشروع الوطنى الفلسطينى وبناء الدولة المستقلة.

فى ظروف الاحتلال القاسية، لا يصعب على المحتل أن يجد متعاونًا، من يؤثر السلامة ومن لا يعنيه سوى تجنب مشكلات المعيشة اليومية، وهناك كذلك من يسعى نحو الخيانة أو يتم استدراجه إليها.

لكن الذهاب إلى العشائر وتغذية النزوع العشائرى حينًا والطائفى حينًا آخر، حاولوا ذلك مع الدروز فى سوريا مؤخرًا، ثم تكوين ميليشيا وتسليحها، فضلًا عن تزويدها بأشد الأفكار تشددًا وابتعادًا عن مشروع الاستقلال والتحرر، جريمة متكاملة، وإن لم نعرها اهتمامًا كبيرًا، ولعلنا ندرك الآن شطط بعض الفصائل الفلسطينية بما يهدد وينسف فى بعض اللحظات عدالة القضية الفلسطينية وأحقية الشعب الفلسطينى فى نيل الاستقلال، وربما نفهم لماذا تجعل بعض هذه الفصائل عددًا من الدول العربية العدو الأول لها.

هذا بعض مما قامت وتقوم به إسرائيل فى غزة، ترى ماذا عما تقوم به فى الدول والمجتمعات المحيطة بها، لعلنا نتذكر ميليشيا سعد حداد فى لبنان عقب اجتياح بيروت سنة 1982.

ما سبق كله معلن، يعترف به رئيس الوزراء الحالى، فضلًا عن رؤساء وزراء سابقين، عرفنا تفاصيله من مناقشاتهم وخلافاتهم، فماذا عما هو غير معلن وبقى فى طى الأجهزة السرية؟ هل الأمر يتوقف على عصابات اللصوص والمجرمين والمتعاونين فقط أم يمكن أن يأخذ أشكالًا وطرقًا أخرى، فى الذاكرة- مثلًا- الرائد «إيلان جرابيل» ضابط الموساد الذى استوطن ميدان التحرير فى يناير سنة 2011، ومنه مع مجموعة من الشباب إلى جامع عمر مكرم، وتكشف الكثير من الخبايا فور أن أمسكت به المخابرات العامة.

وهنا يمكن أن نلاحظ كثرة الميليشيات فى عدد من الدول العربية تحديدًا وما حولها، مفرخة ميليشيات، يتناسل بعضها من بعض أو ينشق بعضها عن بعض.

يمكن أن نرصد كذلك أن بعض تلك الميليشيات تركز على الدول التى تحاول التصدى للمشاريع الإسرائيلية وعرقلتها أو تحاول اقتياد المجتمع نحو محرقة داخلية وأولويات تعطل التنمية وقد تسقط الدول.

الميليشيات لا تُصنع اعتباطًا ولا تظهر فى نوبة حماس، بل هناك من يخطط ويدير ويحرك العرائس.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...