السبت، 29 أغسطس 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

شعبان يكتب عن طلال حيدر

‏في بلدة بدنايل البقاعية، وعلى مقربة من آلهة الشمس “مدينة بعلبك” التاريخية الأثرية، يقع منزل الشاعر اللبناني طلال حيدر، الذي تعرّض لقصف إسرائيلي في 23 شباط/فبراير 2026، ألحق به أضراراً جسيمة، ولا سيّما بحديقته، لكنه لم يُصب بأذى وكذلك مكتبته، وظلّ طلال مصرًا على عدم مبارحته، على الرغم من موجات النزوح الاضطراري.

عشيّة التسعين في البردوني ‏للاطمئنان عليه وعلى صحته وعشيّة عيد ميلاده التسعين، في 22 آب/أغسطس (المقبل)، كنّا على موعد لزيارته رفقة المحامي ناصر الخليل والمهندس الفنان الحارث حيدر، وجلسنا في حديقته العامرة التي استضاف فيها عشرات المبدعين والفنانين والمفكّرين والشخصيات الثقافية، حيث ازدانت مائدتنا بصحون من الفاكهة البعلبكية الشهية لحظة وصولنا. ثم اصطحبناه إلى عروس البقاع “مدينة زحلة” التي تتوسّط سهل البقاع الخصيب، ودائمًا ما يرد اسمها باعتبارها “مدينة الشعر والخمر“. وجلسنا في مطعم “العربي” الشهير الذي ينتصب في مدخله تمثال الشاعر الكبير أحمد شوقي والفنان المبدع محمد عبد الوهاب، ويقع على نهر البردوني الذي ينبع من جبل صنّين ويشقُّ طريقه متدفّقًا بوسط الوادي الذي بنيت فيه المدينة. ‏بدأنا الحوار في لحظة اللقاء الأولى، بل هو من بادَر إليه بالقول قبل أن نسأله، “الحرب يا خيّي” مثل الليل مخيفة، أما الإصابة فهي في داخلي وليست في منزلي، وقد شعرت بالنار تسري بين ضلوعي لحظة عرفت أن بعلبك تحترق، فأنا وهي في وحدة عضوية لا انفصام بيننا. بعلبك هدية الشمس (هليوبوليس)، وهي هديتي كذلك، فأنا محظوظ لأنني من بعلبك. كان ذلك استقبال فريد للشاعر المسكون ببعلبك والعاشق الولهان بحبّها، وقد بدا لي وكأنه طفل يعبث بما حوله، فهو لا يريد أن يكبر، فقد استمرأ مرحلة الطفولة التي يعيشها إلى اليوم، بل إنه يجد نفسه طفلًا مدلّلًا حيثما حلّ وأينما رحل، وهو ما شاهدته بأم عينيّ ونحن عند نهر البردوني نتجاذب أطراف الحديث، ونحتسي شيئًا من دنانها المعتّقة ونستمع إليه، وكان العديد من المعجبات والمعجبين يتوافدون إليه للسلام عليه وتقبيله. ميشال أبو جودة ‏قرأت لطلال حيدر قبل أن أتعرّف عليه في النصف الثاني من الثمانينيات، حيث التقينا لأول مرّة عند ميشال أبو جودة رئيس تحرير جريدة “النهار” العريقة، الذي كنتُ شديد الإعجاب بعموده الصحافي الباهر والموسوم “أضواء“. حينها كنتُ أتردّد على بيروت قادمًا من الشام لمتابعة إصدار جريدة “المنبر” التي كنتُ رئيسًا لتحريرها، وبقيتُ أتابع مُنتج طلال الأدبي والشعري، حتى اجتمعنا بعد سنوات في مهرجان الجنادرية الثقافي في الرياض، وانعقدت بيننا صداقة مديدة قاربت ثلاثة عقود من الزمن. وكنتُ قد حضرتُ تكريمه في بعلبك في 4 تموز/يوليو 2022 مع الأصدقاء الشاعرة والإعلامية نوال الحوار والبروفيسور شيرزاد النجار والمحامي هاني سليمان مدير “دار الندوة” في بيروت. الشيخ عبد الزهراء عاتي رويت له ونحن ندخل مطعم “العربي” كيف أننا اصطحبنا الشيخ عبد الزهراء عاتي، وهو المعمّم القادم من النجف لزيارة لبنان للمرة الأولى، وكان مشواره الأول إلى زحلة، وحين شاهد الأجواء الساحرة والطبيعة الخلّابة، استعاد معنا ما قاله شوقي، وخصوصًا وأن صوت عبد الوهاب كان يُصدّح عبر الميكروفون: يا جارَةَ الوادي طَرِبتُ وَعادَني/ ما يُشبِهُ الأَحلامَ مِن ذِكراكِ مَثَّلتُ في الذِكرى هَواكِ وَفي الكَرى/ وَالذِكرِياتُ صَدى السِنينَ الحاكي ثم اختفى لنحو ساعة، وحين عاد قرأ علينا قصيدته التي يقول في مطلعها: ومليحٌ رمتُ وصله/ ما رأت عيناي مثله قال لي إن رمتَ وصلًا/ موعد العشّاق زحلة وقد اتّصلنا بصحيفة “الحياة” حينها وأرسلنا القصيدة عبر سائق خالي ناصر شعبان إلى بيروت، ليتم نشرها بعد عدّة أيام. وكان الشيخ عاتي بعمامته البيضاء الناصعة، ونظارته الأنيقة مزهوًا وهو في مقهى “الشامات” في بحمدون، وقد اقتنى بضعة أعداد من الجريدة لكي يوزّعها على أصدقائه ومعارفه من العراقيين، الذين كانوا يصطافون فيها، وغالبيتهم الساحقة من الطبقة الوسطى العراقية، ومن المثقفين الذين كان يزدحم فيهم لبنان في الصيف. القصيدة المحكيّة يُعتبر طلال حيدر رائد القصيدة المحكيّة واستمرار لمدرسة سعيد عقل وميشال طراد والأخوين رحباني، وقد نهل من التراث العربي، وتمكّن من اللغة، وتفاعل مع الحداثة الشعرية ليأخذنا إلى آفاق بعيدة ورؤى جمالية جديدة ومناطق غير مطروقة بصوره المجازية. يقول الشاعر شوقي بزيع عن طلال حيدر أنه رافق جيل الروّاد، وشارك في الندوة الأسبوعية الخاصة بمجلة “شعر”، وتفاعل مع انطلاقة مهرجان بعلبك، فقد ولد في العام 1937 في سهل البقاع، الذي يقع بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية الشاهقتين، ونهري العاصي والليطاني، اللذين ينبعان من سهل البقاع “الفسيح المبقّع بالألوان”، لكنهما يسيران باتجاه معاكس، فالعاصي يجري من الجنوب إلى الشمال صعودًا نحو سوريا وتركيا، أما الليطاني فيتجه من الشمال إلى الجنوب نزولًا إلى جنوب لبنان قبل أن ينعطف غربًا ليصب في البحر المتوسط. يتميّز طلال بلغة شعرية عذبة وجملة أنيقة وكلمة رشيقة وفكرة عميقة، حيث يجتمع في قصيدته الأقانيم الثلاثة: أولها؛ سحر المرأة، الذي ظلّ ملازمًا له يتغنّى فيها باعتبارها الكائن الأجمل في الكون، فقد ظلّ افتتانه بالمرأة والأنوثة لا حدود لهما، وربما يعتبر ذلك موازيًا للقصيدة وجزءاً لا يتجزأ من الزهور وعطرها: تْلفَّتين شْمالْ، يِتْغيّرْ طقسْ سنْتينْ ويمرقْ عرسْ بالبالْ أحلى من بنات تنينْ والبنْ شاف الهالْ جايي من اليمنْ دَلُّوا على الخدَّينْ، بسْ يكتملْ بدر الجزيرة فوق نجْد بْخافْ صيبةْ عينْ، لوَّنتْ توبكْ منِ الشمس البِقِتْ فوق الرملْ عامينْ، والرملْ ما بيسأل الصحرا مْنين المدى بِبلِّش ولَويْنْ وثانيها؛ سحر المكان، حيث ظلّت بعلبك مصدر إلهامه الأول: وين أهلي؟ وين طاحونةْ حزنْ خيّي الزغيرْ؟ وين طيارةْ ورقْ نومي على هزّةْ سْريرْ؟ وين الإيديْن الْحطَّت إبريق الشّتي فوق الحصيرْ؟ وين شْبابيك الْفات منها الصوتْ متل الزمهريرْ؟ وِقْع العمرْ ما بين إيد وْبينْ هزَّات السّريرْ وثالثها؛ سحر اللغة، لفظًا ومعنًى وتركيبًا وإيقاعًا وصورةً وإيحاءً وتأويلًا، وكأنه يحيلك إلى الجاحظ والجرجاني وابن زيدون ، فاللغة هي نظام من الرموز والأصوات والكلمات والإشارات للتعبير عن الأفكار والمشاعر وللتواصل مع الآخر ونقل المعرفة والثقافة؛ وقصيدة طلال مكثفة، بل مختزلة، وهي أشبه بتلغرافات أو مقاطع مسرحية (اسكتشات) أو سينمائية، ثرية الدلالة وعميقة المعنى وشديدة التأثير: الله شو حلوة اللغة البتبلّش بسبحان الصحرا عباية رمل ومطرّزة بغزلان راعي قري بكفّ الدني كل ما عليها فان.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لماذا الحذر ؟

تنقل صحيفة”معاريف ” الإسرائيلية عن مصدر سياسي “إسرائيلي” قوله: “إن نتنياهو يتصرف بحذر إزاء لبنان خشية إغضاب الرئيس الأمريكي”. لماذا يغضب ترمب،...

الحرب ككل لا كأجزاء

أخطر ما يتم اقناع الناس فيه ان الحرب انطلقت بطيران دراجة نارية فوق اسوار سجن عظيم ، ان الاسناد بدأ بإطلاق صواريخ عبر الحدود ، ان المعركة نشبت سابقاً بمحاولة اغتيال لسفير في لندن،...

اميركا تتغير في حدود المسموح !!

عملت سفير ً ا لبلادي في نيويورك وواشنطن في ثمانينيات الـقـرن الماضــي، فتعلمت أن السياسة الأمريكية، على اتساع حريتها، كانت لها مناطق يـعـرف كــل سـيـاسـي وإعلامـــي حــدود...

إعفاء ضابطين كبيرين من "الموساد" وضعا خطة حالمة لاسقاط النظام الايراني

كشف تقرير إعلامي إسرائيلي، مساء الخميس، بأن رئيس جهاز الموساد رومان غوفمان قرر إنهاء مهام مسؤولين كبيرين في الجهاز، على خلفية إخفاق خطة عملياتية كانت تهدف إلى إسقاط النظام...

ابداع شيطاني

أفادت مصادر مطلعة بأن الأجهزة الأمنية أوقفت عدداً من موظفي الإدارات العامة في مدينة النبطية، إثر تورطهم في صياغة وترويج إشاعات مضللة منسوبة لوسائل إعلام إسرائيلية، بهدف التهرب من...