السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في زمن التشكيك….خطاب يعيد المعنى للوطن

كارولين ياغي

في زمنٍ انهارت فيه المعايير، وانكفأت المؤسسات، وبات الوطن رهينة الخوف والانقسام، يعلو صوت واحد يذكّرنا بما تبقّى من كرامة الدولة: الجيش.

اليوم، عشية عيده الثمانين، لم يكن خطاب الرئيس جوزف عون مجرد تحية للمؤسسة العسكرية. كان إعلان نية، بيان مشروع، وقَسَم متجدّد. لم يخاطب اللبنانيين بعبارات إنشائية، بل بخطابٍ تاريخي حافل بالدلالات، يُفترض أن يكون موضع قراءة معمّقة لا موضع تشكيك. فالرجل لم يأتِ إلى الحكم من كواليس الأحزاب ولا من أروقة الصفقات. جاء من تراب الميدان، ومن مدرسة الانضباط والتضحية، تلك التي لا تُخرّج زعماء بل قادة.

في لحظة انهيار سياسي واقتصادي وأخلاقي، شدّد الرئيس عون على “حصرية السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية دون سواها”، في موقف هو الأول من نوعه بهذا الوضوح من موقع رئاسة الجمهورية. موقفٌ يدعو لإعادة الاعتبار للشرعية، ولرأب الفجوة بين الدولة والشعب، بعدما كادت البنادق غير النظامية تلتهم ما تبقّى من السيادة.

هو يعرف تماماً أن لا استقرار من دون أمن، ولا أمن من دون جيش، ولا جيش إن بقي وحده في الميدان من دون غطاء سياسي ودعم شعبي. من هنا، يجب أن يُمنح الرئيس الوقت اللازم للعمل. ليس من باب التبرير، بل من باب العقل. ففي دولة من دون مؤسسات حقيقية، لا يكون الحل بتصفية ما تبقى، بل بالرهان على من لا يزال واقفاً. ومن غير المنصف أو المسؤول انتقاده من لحظته الأولى، وهو الذي قال بصدق: “للجيش فضلٌ كبيرٌ عليّ ودَينٌ أكبر… ربّاني على حب الوطن، من دون اجتزاء، وعلى حب الشعب من دون شعبوية، وعلى حب الله من دون طائفية”.

من وزارة الدفاع، خاطب الجنود ودموع الوطن في عينيه. استعاد البطل محمد فرحات، ابن الجنوب الذي احتضنته كنائس الشمال، في مشهد لبناني جامعٍ لا يحتاج لمؤتمرات حوار ولا لوثائق تفاهم. دم فرحات وحده كان كافياً لكتابة دستور آخر، غير الدستور الورقي الذي تُنتهك بنوده كل يوم. قالها الرئيس بوضوح: “شعبٌ يستحق الحياة، لا يترك من قدّموا دماءهم لأجله يسقطون مرتين… مرةً في الدفاع عنه، ومرةً بالنسيان أو المساومات”.

هذا الخطاب ليس مجرد كلمات. هو خارطة طريق تُعبّر عن نية سياسية مختلفة. فالرئيس الآتي من صفوف الجيش يُدرك أن التحديات كثيرة، وأن إسرائيل ما زالت تحتل، وتقصف، وتمنع الإعمار، وتخرق السيادة، وأن الفساد الداخلي لا يقلّ خطراً. لكنه يملك أيضاً الوعي بأن “كل من سقط دفاعاً عن الوطن… هو ذخرٌ لنا في مسيرتنا نحو وطنٍ مستقل، مستقر، مزدهر وعصري”.

من هنا، فإن دعم هذا العهد لا يعني صكّ براءة مطلقة، بل منح فرصة لمن يستحق. فالرئيس لم يتحدث من فوق الشعب، بل بإسمه، ومعه. لم يتبرأ من الجيش بل اعتبره مرآة الشعب، واعتبر الوفاء له جزءاً من الوفاء للوطن.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة لرموز تُوحّد لا تُفرّق، تُطَمْئن لا تُرهب، تبني لا تُساوم. بحاجة إلى من يقول لنا: هناك من لا يزال يؤمن أن لبنان يستحق الحياة.

الرئيس جوزف عون قالها بوضوح، وبلغة لا تحتاج إلى ترجمة: “الوفاء لأرواح من سقطوا دفاعاً عن الوطن وللقضية التي ارتقوا من أجلها، يقتضي أن نوقف الدمار… والانتحار”. فهل نُحسن الإصغاء؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...