الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

قراءة في خطة بلير لليوم التالي: تباينات الرأي بين الوصاية والإعمار

بعد توقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، عادت إلى الواجهة التساؤلات الكبرى حول «اليوم التالي»، وكيف سيكون شكل الحكم في القطاع، خصوصاً بعد ما تسرّب من أحاديث حول استعداد حركة حماس للتخلّي عن إدارة غزة، وفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تديرها أطراف دولية وإقليمية. وفي خضم هذا الجدل، برزت إلى العلن خطة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، التي حملت عنوانًا مبطنًا: إعادة الإعمار وبناء الحكم الرشيد، لكنها في جوهرها تعيد إنتاج صيغة «الانتداب الدولي» على غزة، وإن بثوبٍ إداريٍّ واقتصاديٍّ حديث.

أولاً: جوهر الخطة ومضمونها

تقترح خطة بلير إنشاء هيئة دولية مؤقتة باسم «هيئة الإدارة الانتقالية الدولية لغزة» (GITA)، تعمل بموجب تفويض من مجلس الأمن، وتمتد ولايتها لثلاث سنوات قابلة للتجديد. وتتولى هذه الهيئة صلاحيات واسعة تشمل الإدارة المدنية، والتشريع، والأمن، وإعادة الإعمار، على أن يرأسها بلير نفسه بصفته «المفوض السامي» الجديد، بمشاركة شخصيات دولية وإقليمية وبعض الكفاءات الفلسطينية ذات الطابع التكنوقراطي.

تُدار المرحلة الانتقالية من مقر مؤقت في العريش، ثم تنتقل لاحقاً إلى داخل القطاع. وتخضع الأجهزة المحلية، بما في ذلك الشرطة والبلديات والسلطة التنفيذية الفلسطينية، لإشراف مباشر من الهيئة، بينما تتولى «قوة أمنية دولية» متعددة الجنسيات مسؤولية الأمن ومنع عودة الفصائل المسلحة، مع بقاء التنسيق الأمني مع إسرائيل ومصر والولايات المتحدة قائماً على نحوٍ مؤسسي.

ورغم تأكيد الخطة على أن هدفها النهائي هو «تهيئة الظروف» لعودة السلطة الفلسطينية إلى الحكم الموحد، إلا أن النصوص الإجرائية تُظهر أن هذا الهدف مشروط بأداء السلطة وإصلاحها، دون تحديد سقف زمني لإنهاء المرحلة الدولية، بما يعني عملياً أن الوصاية قد تطول لسنوات غير محددة.

ثانياً: الإيجابيات المعلنة

من حيث الشكل، تبدو الخطة محاولة لتجنب الفوضى بعد الحرب، وتوفير مظلة دولية لإعادة الإعمار وتوحيد الجهود الإنسانية والاقتصادية.
كما أن إشراك أطراف عربية – كمصر وقطر وتركيا – في العملية يمنحها بعدًا إقليميًا يخفف من حساسية «التدويل»، ويؤمّن غطاءً سياسيًا مقبولًا، خاصة في ظل تدهور الوضع الإنساني والاقتصادي في القطاع.
كذلك، فإن الحديث عن الاعتماد على الكفاءات الفلسطينية، وتحييد الصراع الفصائلي مؤقتًا، قد يُسهم – نظريًا – في تخفيف الاحتقان وتمهيد الطريق لانتخابات مستقبلية أو ترتيبات حكم أكثر استقرارًا.

ثالثاً: الملاحظات الجوهرية والسلبيات

لكن القراءة المتأنية تكشف أن الخطة تتجاوز البعد الإنساني إلى مشروعٍ سياسيٍ متكامل، يعيد تشكيل النظام الفلسطيني تحت إشراف دولي، وبإدارةٍ «أممية» تتقاطع مصالحها مع الرؤية الإسرائيلية – الأمريكية لما بعد حماس.

1. الوصاية السياسية والأمنية:
فكرة «الهيئة الدولية» بصلاحياتها الواسعة تجعل القرار الفلسطيني مرتهنًا للخارج، وتُفقد الشعب حقه في تقرير مصيره. فبدلاً من إنهاء الاحتلال، ستجد غزة نفسها أمام إدارة انتدابية جديدة تتحكم في مفاصلها، وتقرر مصيرها من خارجها.

2. الإقصاء المقنّع للمقاومة:
رغم لغة البلاغة حول الأمن والاستقرار، فإن جوهر الخطة هو تفكيك بنية المقاومة، ومنع إعادة تشكيلها تحت أي مسمى. فوجود قوة أمنية دولية وتفويضها بملاحقة «الجماعات المسلحة» يعني عمليًا نزع سلاح المقاومة وتجريم فعلها الوطني.

3. تهميش السلطة الفلسطينية:
الحديث عن إشراف «GITA» على السلطة الفلسطينية، وتقييم أدائها كشرطٍ للتمكين، يعكس نزعة أبوية واضحة. فالسلطة تتحول من صاحب ولاية إلى جهةٍ خاضعة للمراقبة، ما يُضعف شرعيتها ويكرّس الانقسام بدل رأبه.

4. الهوية الوطنية تحت الوصاية:
الخطة تضع الشأن القضائي والإداري وحتى البلدي تحت هيمنة المجلس الدولي، وتفتح الباب لتغلغل رجال أعمال ومؤسسات غربية وعربية في مفاصل القرار، ما يجعل من غزة ساحة تجريبية لتطبيقات «الحكم الهجين» بين المحلي والدولي، على حساب الإرادة الوطنية الفلسطينية.

رابعاً: أبعاد اقتصادية مغلَّفة بالسياسة

لا يمكن فصل الجانب الاقتصادي عن الأهداف السياسية. فبلير، المعروف بدوره في ترويج مشاريع «السلام الاقتصادي»، يربط إعادة الإعمار بضمانات أمنية، ويمنح المستثمرين الدوليين – من أمثال نجيب ساويرس ومارك روان – دورًا مركزيًا في تحديد أولويات التنمية.
بهذا المعنى، تتحول غزة إلى نموذج من «الخصخصة السياسية»، حيث تُدار التنمية بوصفها أداة ضبط اجتماعي، لا مشروع تحرر وطني.

خامساً: الموقف الفلسطيني المطلوب

أمام هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحة إلى رؤية وطنية جامعة تسبق أي مبادرة خارجية، بحيث تُحدّد القوى الفلسطينية – بمختلف أطيافها – شكل إدارة المرحلة المقبلة، وآليات الإعمار، وإعادة بناء المؤسسات.
إن ترك الساحة فارغة سيُتيح للآخرين فرض وصايتهم علينا، وتكرار تجربة «الانتداب» في نسخته الأممية الحديثة.
نعم، يمكن الترحيب بأي جهد دولي لإغاثة غزة أو دعم إعادة إعمارها، لكن دون المساس بالسيادة الفلسطينية، أو تحويل القطاع إلى ساحة اختبار للوصاية الأجنبية.

خاتمة..

خطة بلير، بكل ما تحمله من عناوين براقة، هي في جوهرها مشروع لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني تحت مظلة دولية – غربية، تُعيد توزيع الأدوار بما يخدم الأمن الإسرائيلي أولاً.
إن أي مشروعٍ للسلام أو الإعمار لا ينطلق من الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ولا ينهي الاحتلال فعلاً، سيبقى – مهما تجمّل – شكلاً آخر من أشكال السيطرة المقنّعة.
لقد خبرنا جيدًا شعارات «الإصلاح والإعمار» حين تكون غايتها السياسية ترويض إرادة الشعوب، ونحن اليوم أمام اختبار جديد لوعينا الجمعي وقدرتنا على حماية مشروعنا الوطني من محاولات إعادة الوصاية، وإن بدت هذه المرة بوجهٍ دوليٍ أنيق.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...