لقد انطبع القرن الماضي بالتوسع الهائل للأنظمة الشمولية خصوصاً في نصفه الأول ، من الثورة البولشفية الى الفاشستية الى النازية وغيرها ، وصولاً الى انقسام العالم الى قطبين ، إلا أن القرن الحادي والعشرين يشهد عودة انبعاث الغنى في التعدد الثقافي منه والديني والفلسفي وحتى الكياني ، ولا شك أنه سيتم التمكن بمهارة رغم العناء وآلام المخاض ، من بناء منظومات متناغمة تحافظ على التعددية وعلى جوهر كل حضارة وعلى القيم المتنوعة وأنماط العيش المختلفة .
في القرن العشرين بُنيت الديموقراطية على قاعدتين أساسيتين : حقوق الفرد وحق الأكثرية بالحوكمة ، إلا أننا نعتقد جازمين أن الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين ستبنى على قاعدة ثالثة جديدة ، تتمثل في أن حق الحفاظ على الأقليات واجبة كما هو واجب والعمل على تطويرها وتألقها ، فهل يجوز في القرن الحادي والعشرين لوطن ومنطقة يعيشان ديانات و إيمانيات مشرقية أصيلة أن يتحول الى نقمة بدل أن يكون في نعمة ؟ .
والمطلوب بات واضحاً أنه يجب علينا أن نتطلع الى بناء نموذج اجتماعي اقتصادي يحمي الفرد الضعيف ويطور المجتمع وينهض به… إننا بحاجة الى نظام حكم يستوعب الصدمات ويستنبط الوسائل والأساليب والطاقات لتطوير عمل مستدام لدفع النمو ورفع مستوى حياة الفرد والجماعة ، وجعل المجتمع مهموم بالنمو والتطوير بدلاً من التلهي بالخلافات المذهبية والدينية والعرقية ، لبناء مجتمع متكامل ومتضامن ومتطور يخلق نموً اقتصادياً ويحسن مستوى المعيشة ويوزع الثروة الوطنية بعدالة ، في نظام يقوم على الإنماء المتوازن ليلاقي المجتمعات الغربية والمتقدمة من حولنا وفي العالم .
ألسنا كلنا في لبنان وفي الوطن العربي نطمح الى منظومة تطلق طاقات المجتمع على أرض الوطن تمنع المواطن الصالح من التفكير بالهجرة الطوعية ومغادرة الوطن لبناء مستقبله ومستقبل أبنائه …. اذن فعلينا أن نخلق منظومة أمان اجتماعي اقتصادي بفضل قيمة مضافة عالية تنتج فائضاً من الثروة وقدرة اقتصادية محلية متكاملة ، أما اذا أردنا مجتمعاً متخلفاً وحكومات فاشلة وفاسدة كما هو عليه الحال في معظم البلاد العربية وفي لبنان خاصة فسنجده بسهولة ، أما إذا أردنا بناء مجتمعاً وطنياً ناجحاً فعلينا أن نحفز مفهوم المواطنة ، إذ لا يمكن أن نجني من العليق تيناً ولا تيناً ولا عنباً من العليق .
فإذا كنا في نظام يُحفّز المحسوبية في مختلف مرافق الدولة وإداراتها العامة بدلا من سيادة الحقوق المتكافئة والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين ، حيث تتقدم الكفاءة والوطنية عن كل استزلام أو محسوبية .. كيف يكون ذلك والمنظومات الضرائبية في لبنان وبعض الدول العربية تشجع التوظيف الريعي وتعاقب التوظيف الذي يخلق فرص عمل للمواطن ويطور البلاد ويدفعها الى بنيان اقتصادي يخلق تنمية ونهوض في البلاد ، تتجسد علامات نجاحها بالأمان الاجتماعي وتكاثر البحوث العلمية والتألق في التربية المدنية وتسجيل العديد من براءات الاختراع .
إلا أن الإدارة البيروقراطية العقيمة لا تولد .. بل تكون عاقرة ولا تنجب ما هو صالح ومفيد ، كيف يكون ذلك ونحن نشهد تبعيات المسؤولين في لبنان وبعض البلاد العربية للخارج ، تبعيات لدول ومحاور إقليمية ودولية من أجل المال والسلطة وبكل صراحة وبشفافية تامة كيف يمكن لبرعم المواطنة أن يشهد ربيعاً مزهراً في هكذا أجواء .. كيف يمكن للمواطنة أن تزهر خارج عقد اجتماعي وطني متكامل عادل ومتوازن ، لقد ارتضينا جميعاً عقداً اجتماعياً جديداً ينقلنا الى ما بعد المحسوبية والتعايش الكاذب الى رحاب الدولة الحديثة المدنية القادرة المبدعة والحيادية بين جميع طبقات وأطياف المجتمع إنه اتفاق الطائف العتيد فهل آن الأوان لنا أن نطبقه حرفياً ، فهل يمكن للتجدد أن يقوم خارج عقلنة المجتمع وتفكيك بذور التوتر والانقسام .
إن نجاح الأنظمة تقاس بمدى تمتعها بنهضة ثقافية وفنية يتزاوج معها التراث مع الحداثة والإرث القديم للديانات مع عنصر التجديد ، تظهر معه البعد الثالث للإنسان بكل قيمه الإلهية من محبة وصدق وابداع بما في ذلك جانبه الروحي فعلينا فتح باب الحوار حول دولة عادلة يكون فيها الدين لله والوطن للجميع …فالجميع متساوون أمام القانون دولة ليست تيوقراطية ولا ملحدة تتجسد علامات نجاحها بالأمان الاجتماعي .
هكذا نكون دخلنا زمن التألق والتجدد ، وهكذا نكون طرقنا باب التفوق والإبداع وهكذا نخلق الأرضية المثلى للنجاح والتقدم ونكون للشرق كله مثالاً حياً لوطن مشرقي مبني على طموحات أبنائه الحقيقية والمشروعة .


