استوقفتني تغريدة للأديبة السيدة، سلوى خليل الأمين، منها: “هذا هو الزمن الرديئ. أصبحنا في لبنان، بلد الاشعاع والابداع والنور، كما سمي سابقاً، بلد انحطاط البرامج التلفزيونية، واللغة السوقية المكتوبة على وسائل التواصل الاجتماعي… ”
نعم، يا سيدتي الشريفة هذا اللبنان الذي يوجعك وضعه ليس لبناننا، لبنان الثقافة والادب، والشعر، والمهرجانات الغنائية التي شدّت مشاهير العالم إلى بعلبك وجبيل وصيدا وصور ناهيك عن “أم الدنيا” بيروت، عاصمة العرب من بغداد إلى تطوان.
لبنان اليوم هو لبنان السلاح المتفلت من كل قيد، المستقوي على من لا يحمله ولا يهتف له او يتجرأ ويعترض عليه. وهنا يكون هذا الجريئ في مرمى رصاص العمالة والصهينة والانحراف الوطني وصولاً إلى القذف بصواريخ الخيانة العظمى!! لطفك يا سيد الأكوان.
لبناننا، ولبنانك، الذي تفتقدين يا سيدتي كان لبنان الإشعاع ولم يكن لبنان المشاع للسارقين والنهابين واليوضاسيين. لبنان الذي بكى، في جلسة لمجلس نوابه، وزير المالية اميل جرجس لحود لان صحافياً اتهمه بتبديد ١٥ ألف ليرة من المال العام. ولمن لا يعلم ان اميل جرجس لحود كان أحد أوائل المحامين في لبنان، إن لم يكن أولهم مقدرةٍ وشهرة وسطوة، وكان الزعيم الشعبي غير المنازع للمتن الشمالي.
لبنان اليوم، يتباهون فيه من الذي “لطش وقش” من المال العام أكثر من سواه أو قبله. يتبوأ بعض خفافيش لبنان اليوم مواقع عامة لا علاقة لهم بها ولا يعرفون شيئاً عن اختصاصها ومهماتها. يعرفون شيئاً واحداً ان “عرعوراً” رسمياً، أو “طنبوزاً” يده طائلة منحهم هذه المواقع ليكونوا اتباعاً ومنفذين لارادته وملبين طلباته. “وانخلي يا ليلى إذا كان بعد عندك طحين.”
زمن لبناننا كان المواطن في اقصى ضيعة لبنانية يتحاشى أن يتمظهر ببندقية “٩ ملم” ويسرع إلى تخبئتها في بيته اذا شم رائحة “جندرمه” بالضيعه. أما لبنان اليوم فالمدافع الرشاشة، وربما الصواريخ المجنحة، تمزق أحشاء الفضاء بنيرانها ابتهاجاً “بطهور” طفل أو بنيل محروس الشهادة الابتدائية. والله يرحم من يقتله الرصاص الطائش.
في لبناننا لبنانك، يا سيدة سلوى، كنا نلتزم السير بين المسامير لنقطع الشارع عرضاً بعد ان يسمح لنا الضوء الأخضر بذلك. وكان رجل الأمن ينظم محضر مخالفة لقانون السير بمن يُضبط يدخن سيجارة وهو وراء مقود سيارته. أما اليوم، في لبنان الانفلات والزعرنة فسائق يضع ابنه في حضنه وآخر يلقي محاضرة عبر هاتفه الخلوي. أما الناعمات الكواعب فتراهن منشغلات “بمكيجة” وجوههن بينما السيارة “سارحه والرب راعيها”.
في لبناننا تسلّم مسؤولية السير في بيروت نقيب كان اسمه يوسف الحركه فطوبى للذين عاشوا تلك الفترة في بيروت وعايشوا الانضباط الصارم، والمهذب، الذي ساد شوارع العاصمة حتى صار يوسف الحركه وشرطي السير اللبناني مثالاً يقتدى به في بعض الدول الأوروبية. واذكر ان نائب الشوف الراحل اميل مرشد البستاني تحدث عن “ظاهرة” النقيب الحركه في مجلس النواب وصرخ في وجه الحكومة: “ضابط برتبة نقيب عمل من بيروت نموذجاً لتنظيم السير، وأنتم، كحكومة لم تعرفوا ان تنظموا الدوائر العقارية حتى اليوم”. ولا تزال الدوائر العقارية بحاجة إلى تنظيم وتحديث.
وما هو الحل؟ رحلة الحل الشامل طويلة وشاقة والخطوة الأولى فيها: السلاح محصور بالدولة ولا شراكة لأحد معها. وإذا لم يتحقق ذلك ف “عبثاً يبني البناؤون”.


