السبت، 7 مارس 2026
بيروت
13°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان في زمن القواعد الجديدة: كيف ننجو في عالم لا يرحم التحدّي ؟

كارولين ياغي

لم يعد خافيًا أنّ النظام العالمي يُعاد تشكيله اليوم وفق منطق القوة لا منطق القيم. الولايات المتحدة وإسرائيل تؤثّران بعمق في مسار القرار الدولي، لا عبر حكم مباشر، بل من خلال تكريس قواعد جديدة للعبة السياسية: من يستوعبها ينجو، ومن يتجاهلها أو يصطدم بها يدفع الثمن.

نحن أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتقدّم فيها المصالح على المبادئ، وتُدار النزاعات ببرودة حسابية، فيما تُترك الدول الهشّة لتتحمّل الخسائر الأكبر. وفي صلب هذا المشهد يقف لبنان: بلد صغير بإمكاناته، مثقل بأزماته، وأكثر عرضة للاهتزاز إن أخطأ تقدير اللحظة.

المقبل لا يحتمل المغامرة. لا مجال لخطابات التحدّي ولا لرهانات غير محسوبة. ما كان ممكنًا بالأمس صار اليوم عبئًا، وما كان يُدار بتوازن هشّ بات يحتاج إلى أعلى درجات الدقّة والوعي. والعدو، الذي يراقب أي ضعف أو انقسام، لا يتردّد في استثمار أي شرخ داخلي أو خلل وطني.

الخطر الحقيقي يبدأ من الداخل قبل الخارج. انقسام اللبنانيين، وتحوّل الخلافات السياسية إلى صدامات مفتوحة، وتحدّي بعضهم البعض، جميعها عناصر تُغري التدخّل الخارجي وتُسهّل التعامل مع لبنان كساحة صراع لا كدولة. في زمن القواعد الجديدة، الدول التي تُهمل جبهتها الداخلية تصبح مكشوفة مهما رفعت من شعارات.

يزيد المشهد تعقيدًا تراجع الدور العربي كشبكة أمان. الخلافات بين دول محورية مثل السعودية والإمارات، وتباين الأولويات والرؤى، تعكس واقعًا عربيًا متشظّيًا لم يعد لبنان قادرًا على الاتكاء عليه كما في السابق. هذا التفكك الإقليمي يضيّق هامش المناورة، ويجعل أي خطأ أكثر كلفة من أي وقت مضى.

لبنان اليوم بحاجة إلى نهج مختلف. ليس المطلوب التخلّي عن الثوابت، بل إدارتها بعقل الدولة لا بعقل المواجهة. المطلوب قراءة دقيقة لقوانين اللعبة الدولية والتعامل معها بذكاء، لا إنكارها أو الاصطدام بها. فالسيادة في عالم اليوم لا تُصان بالصدام وحده، بل بالحكمة، ووحدة الموقف، وإقفال كل الذرائع أمام التدخّل.

إنها لحظة مفصلية: إمّا أن يختار اللبنانيون الحدّ الأدنى من التماسك الوطني ويضعوا أيديهم معًا، أو يتركوا بلدهم مكشوفًا أمام رياح صراعات تفوق قدرته على الاحتمال. في عالم تحكمه المصالح والقوة، النجاة ليست لمن يرفع صوته أكثر، بل لمن يعرف متى يتقدّم، ومتى يحمي نفسه بهدوء.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...