لم يعد خافيًا أنّ النظام العالمي يُعاد تشكيله اليوم وفق منطق القوة لا منطق القيم. الولايات المتحدة وإسرائيل تؤثّران بعمق في مسار القرار الدولي، لا عبر حكم مباشر، بل من خلال تكريس قواعد جديدة للعبة السياسية: من يستوعبها ينجو، ومن يتجاهلها أو يصطدم بها يدفع الثمن.
نحن أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتقدّم فيها المصالح على المبادئ، وتُدار النزاعات ببرودة حسابية، فيما تُترك الدول الهشّة لتتحمّل الخسائر الأكبر. وفي صلب هذا المشهد يقف لبنان: بلد صغير بإمكاناته، مثقل بأزماته، وأكثر عرضة للاهتزاز إن أخطأ تقدير اللحظة.
المقبل لا يحتمل المغامرة. لا مجال لخطابات التحدّي ولا لرهانات غير محسوبة. ما كان ممكنًا بالأمس صار اليوم عبئًا، وما كان يُدار بتوازن هشّ بات يحتاج إلى أعلى درجات الدقّة والوعي. والعدو، الذي يراقب أي ضعف أو انقسام، لا يتردّد في استثمار أي شرخ داخلي أو خلل وطني.
الخطر الحقيقي يبدأ من الداخل قبل الخارج. انقسام اللبنانيين، وتحوّل الخلافات السياسية إلى صدامات مفتوحة، وتحدّي بعضهم البعض، جميعها عناصر تُغري التدخّل الخارجي وتُسهّل التعامل مع لبنان كساحة صراع لا كدولة. في زمن القواعد الجديدة، الدول التي تُهمل جبهتها الداخلية تصبح مكشوفة مهما رفعت من شعارات.
يزيد المشهد تعقيدًا تراجع الدور العربي كشبكة أمان. الخلافات بين دول محورية مثل السعودية والإمارات، وتباين الأولويات والرؤى، تعكس واقعًا عربيًا متشظّيًا لم يعد لبنان قادرًا على الاتكاء عليه كما في السابق. هذا التفكك الإقليمي يضيّق هامش المناورة، ويجعل أي خطأ أكثر كلفة من أي وقت مضى.
لبنان اليوم بحاجة إلى نهج مختلف. ليس المطلوب التخلّي عن الثوابت، بل إدارتها بعقل الدولة لا بعقل المواجهة. المطلوب قراءة دقيقة لقوانين اللعبة الدولية والتعامل معها بذكاء، لا إنكارها أو الاصطدام بها. فالسيادة في عالم اليوم لا تُصان بالصدام وحده، بل بالحكمة، ووحدة الموقف، وإقفال كل الذرائع أمام التدخّل.
إنها لحظة مفصلية: إمّا أن يختار اللبنانيون الحدّ الأدنى من التماسك الوطني ويضعوا أيديهم معًا، أو يتركوا بلدهم مكشوفًا أمام رياح صراعات تفوق قدرته على الاحتمال. في عالم تحكمه المصالح والقوة، النجاة ليست لمن يرفع صوته أكثر، بل لمن يعرف متى يتقدّم، ومتى يحمي نفسه بهدوء.


