السقوط الحضاري لإسلام الدولة أمام السلطة: لماذا تبقى إيران ويسقط الجميع؟
ما من مقارنة تضع الإسلام السني أمام الإسلام الشيعي في المجال السياسي إلا وتنتهي إلى هذه الحقيقة العارية: أن الإسلام السني خضع للسلطان، فمات بموت السلطان، بينما الإسلام الشيعي وقف في وجه السلطان، فبقي بعد سقوطه. هذه ليست دعاية طائفية، ولا مفاضلة عقائدية سطحية، بل استقراء تاريخي يكشف عن بنية داخلية عميقة لكل من المنظومتين. إن النموذج التركي والإيراني في العصر الحديث هما الدليل الأكثر اكتمالًا على هذه المفارقة. ففي تركيا، نجح أتاتورك خلال عقدين فقط في اقتلاع الإسلام من الحياة العامة، دون مقاومة تُذكر من المؤسسة الدينية، بينما فشل الشاه، رغم قوته وتغوّله، في إطفاء الدين، وخرج من إيران تحت أقدام عمائم لم يكن يملك أن يُعزل أحدها من منبر. كيف نفسّر هذا التناقض؟
ليس السؤال في العمق: لماذا نجح أتاتورك؟ بل لماذا لم يواجه مقاومة دينية حقيقية حين نفذ مشروعه العنيف؟ ولماذا، في المقابل، تحوّلت المؤسسة الدينية في إيران إلى قوة شعبية هائلة قادرة على إسقاط النظام؟ الجواب لا يتعلق فقط بشخصية أتاتورك أو الشاه، بل بالبنية التي بُني فيها كل من الإسلام التركي والإسلام الإيراني. الإسلام الذي نشأ في أحضان الدولة العثمانية، كان منذ البداية ديناً مندمجًا في السلطة. الفقهاء موظفون، الفتوى تحت رقابة القصر، السلطان هو الخليفة وهو ظل الله في الأرض، وكل نقد للحكم كان يُلبّس تهمة الفتنة والخروج. لم تكن المؤسسة الدينية السنية مؤسسة مستقلة، بل كانت جزءًا من جهاز الدولة. وفي تلك اللحظة التي انهارت فيها الخلافة، لم يكن في البلاد شيخ واحد يملك شرعية ذاتية أو جمهورًا مستقلاً عن الدولة. سقط السلطان، فسقط معه الدين، لأن الدين لم يكن يوماً يقف خارجه. أما في إيران، فالقصة مختلفة تمامًا.
هناك، ومنذ الدولة الصفوية، بدأ تشكل تشيع مستقل عن الدولة، بل أحيانًا في خصومة ضمنية معها. رجال الدين لم يكونوا موظفين، بل مراجع تقليد مستقلين، يملكون مالهم من “الخمس”، ويملكون جمهورهم من خلال شبكة المساجد والحسينيات والحوزات. لم تكن العمامة أداة ضبط اجتماعي من قِبل السلطة، بل أداة تنظيم شعبي في مواجهة السلطة نفسها. بل إن التاريخ السياسي لإيران مليء بلحظات الصدام بين الشاه ورجال الدين، منذ فتوى الميرزا الشيرازي في تحريم التبغ، إلى مقاطعة رجال الدين للمشاريع التغريبية، وصولًا إلى إسقاط الشاه نفسه عام 1979. لقد بقي الفقيه في إيران هو صاحب السلطة الرمزية الأعلى، حتى في عز سطوة الشاه، لأنه لم ينبثق من الدولة، بل من المجتمع.
لكن الفارق الأهم ليس فقط في الموقع، بل في طبيعة المذهب ذاته. فبينما نشأ الفقه السني على قاعدة تثبيت الجماعة، والدفاع عن الدولة، ومنع الخروج على السلطان، نشأ الفقه الشيعي على فكرة أن الدولة باطلة أصلًا ما لم تكن بيد الإمام المعصوم، وأن كل سلطان غيره هو غاصب، وكل حكم دونه موضع شبهة. هذا الموقف من الدولة أنتج فقهًا يميل إلى الارتياب من السلطة، ويرى نفسه خصمًا لا تابعًا. الفقيه الشيعي ليس مفتي بلاط، بل حامل رواية تُدين الخلفاء والسلاطين، وتضع كربلاء كنقطة مركزية في الوعي الجمعي، لا باعتبارها مأساة فقط، بل كرمز دائم للثورة على الظلم. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول عاشوراء إلى منصة سياسية في إيران، بينما في تركيا، وفي غيرها من الدول السنية، كانت خطب الجمعة تُمجّد الحاكم وتدعو له بطول العمر.
النتيجة الطبيعية لهذا التباين البنيوي أن الإسلام السني الرسمي، حين تسقط الدولة، يسقط معها، لأنه متكئ عليها، ومعتمد في شرعيته على وجودها. بينما الإسلام الشيعي، حين تسقط الدولة، يصعد، لأنه كان دومًا خارجها، ويملك شبكته المستقلة عنها. ولهذا، حين جاء أتاتورك وفرض العلمنة، كان الإسلام التركي هشاً، فاقداً للحصانة، خالياً من أدوات المقاومة، فاستُبدلت الحروف، وسكتت المآذن، وتحوّلت المساجد إلى متاحف. وحين جاء الشاه، بكل أدوات الغرب، ليُخضع الدين في إيران، اصطدم بجدار صلد من الرفض، وظل الدين يحفر في الأعماق، حتى انفجر عليه في النهاية.
ما يجب أن يُفهم أن المسألة ليست ببساطة “الشيعة قاوموا والسنة لم يقاوموا”، بل أن الإسلام الشيعي صُمّم منذ قرونه الأولى على أنه في مواجهة السلطة الجائرة، بينما الإسلام السني صُمّم على أنه حارسها. هذا ما يجعل الإسلام السني اليوم متورطًا في تبرير كل سلطة قائمة، حتى الفاسدة منها، تحت لافتة “درء الفتنة” و”عدم الخروج”، بينما الإسلام الشيعي يملك في صلبه مفاهيم جاهزة للمواجهة: الحاكم الجائر، التقية، الجهاد، عاشوراء، ولاية الفقيه، وكلها مفاهيم لا تعني شيئًا في العقل السني الرسمي، بل تُدان أحيانًا باعتبارها تخريبًا


