وإن صحت الوقائع يكون فعل الاحتيال قد وقع على محتالين وأغبياء وليس على تعب الناس
و جنى أعمارهم . ويبقى الفرق واضحا بين محتال بصفته الشخصية وسلطة محتالة بشخصيتها المعنوية
بل هي منظومة كاملة تنتج هذا النوع من الفضائح ثم تتعامل معها كحوادث معزولة. المشكلة ليست في الأفراد فقط، بل في دولة تفتح ملفات صغيرة وتغلق أبواب الملفات الكبرى التي نهبت أعمار الناس وأموالهم.
في بلدٍ يحترم نفسه، لا تُختصر المحاسبة بعناوين شعبوية ولا بمشاهد إعلامية عابرة، بل تبدأ من ملفات الكهرباء، والمصارف، والمرفأ وأرواح الأبرياء وممتلكاتهم، والهدر العام، ومن كل من جلس في موقع القرار وحوّل السلطة إلى مزرعة خاصة
أما ملاحقة الواجهات وحماية رؤوس هرم الفساد والسرقة ليست عدالة، بل إدارة للأزمة، وضحك على الشعب بسياسة ليست بجديدة، بل هي نهج متكرر لتفريغ الاحتقان الشعبي وليست لاستعادة الحقوق، إنما لحماية المنظومة وليس لتفكيكها. فعندما يُترك الناهبون الكبار في مأمن، وتُرمى الأسماء الصغيرة في الواجهة، تتحوّل العدالة إلى مسرح، ويُختزل القانون إلى أداة توازنات سياسية، لا لميزان للحق.
أما الأخطر من الجريمة نفسها هو تطبيع الانتقائية في المحاسبة، وتحويل القضاء من سلطة عدل إلى أداة إدارة أزمات. هكذا تُهدم الثقة بالدولة، ويُدفن مفهوم العدالة، ويُترك المواطن وحيدًا في مواجهة منظومة لا تحاسب نفسها ولا تعترف بجرائمها.
المعركة ليست مع أشخاص، بل مع نظام كامل يجب كسره
والدولة لا تُبنى بالاستعراضات بل بكسر شبكة الحماية التي تحيط برؤوس الفساد، وبمحاسبة تبدأ من فوق لا من تحت، تعيد للناس أموالهم وكرامتهم وحقهم بدولة عادلة


