الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟

صباح الورد من بيروت، المدينة التي تجيد النهوض من تحت الركام، وتعرف كيف تخفي جراحها خلف شرفات تطل على البحر. من هنا، من بلد جميل حد الوجع، نكتب عن لبنان.. لا بوصفه ساحة صراع، بل وطنا يستنزف كلما اقترب من التقاط أنفاسه.

صباح الورد من بيروت، لأنني أكتب لكم الآن من هنا.. من أرض السحر والجمال رغم كل شيء، ولكن..

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو، ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟

سؤال بسيط في صياغته، معقد في جوهره، لأن الإجابة لا تتعلق بحدود فقط، بل بتاريخ طويل من محاولات كسر الإرادة، وإبقاء هذا البلد المسالم في دائرة القلق الدائم.

لبنان اليوم يحاول، للمرة الألف ربما، أن يخرج من عنق الزجاجة. اقتصاد منهك، عملة فقدت قيمتها، مؤسسات تتعافى ببطء، وناس يعيشون على أمل أصبح ترفا. ومع ذلك، ثمة جهد واضح تبذله الدولة، بكل ما تملك من أدوات محدودة، لإعادة ترتيب البيت الداخلي. رئيس الجمهورية جوزيف عون يعمل بكل طاقته لتثبيت الاستقرار، وإرساء مناخ سلام يسمح بالالتفات إلى التنمية بدل إدارة الأزمات. ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بخبرته الطويلة، يحاول أن يمسك بخيوط التوازن الدقيق في بلد لا يعيش إلا على التوازنات. ورئيس الحكومة نواف سلام يقود مسارا شاقا لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة، وللاقتصاد، وللعلاقة مع العالم.

ثلاثة رؤساء، ثلاثة مسارات، وجهد واحد.. إنقاذ لبنان من السقوط النهائي.

لكن المشكلة أن كل محاولة للإنقاذ تصطدم بجدار خارجي لا يريد للبنان أن يستقر. كلما اقتربت الحكومة اللبنانية من حل، من تسوية، من نافذة أمل، تسارع إسرائيل إلى تدميرها. عدوان يومي على جنوب لبنان، قصف متكرر، توتر دائم، ورسالة واحدة واضحة: لا سلام، ولا استقرار، ولا فرصة لهذا البلد أن يلتقط أنفاسه.

إسرائيل لا تنظر إلى لبنان كدولة ذات سيادة، بل كخاصرة رخوة يجب أن تبقى مشتعلة. تريد جنوبا قلقا، وحدودا ملتهبة، واقتصادا عاجزا عن النهوض. تريد لبنان مشغولا بأمنه، لا بتنميته، منشغلا بإعادة الإعمار، لا ببناء المستقبل. فلبنان المستقر خطر عليها، ليس عسكريا فقط، بل سياسيا ومعنويا.. نموذج لدولة عربية قادرة على الصمود رغم كل شيء.

العدوان على الجنوب ليس تفصيلا عسكريا، بل سياسة ممنهجة. تدمير القرى وتهجير الأهالي وضرب البنية التحتية، كل ذلك يحدث في اللحظة التي يحتاج فيها لبنان إلى الهدوء ليستعيد اقتصاده ويقنع المستثمرين، ويعيد الثقة بنفسه وبمؤسساته. كأن هناك من يقول بوضوح: لن نسمح لكم بالشفاء.

ورغم ذلك، يبقى لبنان واقفا، بلد اعتاد الحياة على الحافة، لكنه لم يتخل يوما عن حقه في الحلم، بيروت التي دمرت أكثر من مرة.. عادت. الجنوب الذي اعتدي عليه مرارا، صمد.والناس رغم التعب ما زالوا يؤمنون بأن هذا الوطن يستحق فرصة.

ما يريده اللبنانيون بسيط جدا: أمن.. سلام.. اقتصاد يعمل.. ودولة تحميهم بدل أن تحصي خسائرهم. لا يريدون أن يكونوا وقودا لصراعات إقليمية، ولا ورقة ضغط في مفاوضات الآخرين. يريدون فقط أن يعيشوا.

إسرائيل في المقابل تريد لبنان ضعيفا منقسما قلقا. لأن لبنان القوي المتماسك المتصالح مع نفسه يربك حساباتها، ويكسر معادلة التفوق الدائم.

من بيروت نقول هذا البلد الجميل يستحق أن يترك وشأنه، يستحق أن تمنح له فرصة حقيقية للسلام والتنمية. يستحق أن يتوقف العالم عن النظر إليه كخبر عاجل، ويبدأ برؤيته كحياة كاملة، مليئة بالثقافة والإنسان والأمل.

صباح الورد من بيروت.. رغم كل شيء.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...