بالأمس، خسر لبنان ستة من أبنائه من جنود الجيش، رجال لم يختبئوا خلف الشعارات ولم يكتفوا بترديد “بحبك يا لبنان” في الأغاني أو المناسبات، بل جعلوها فعلًا يوميًا في الميدان، في الشمس والعرق والسهر والخطر. هم من أولئك الذين آمنوا أن الوطن ليس فكرة رومانسية عابرة، بل مسؤولية تُحمل على الكتفين حتى لو كان الثمن الحياة نفسها.
رحلوا في زمن تتكاثر فيه الأخطار على الأبواب وفي الداخل، زمن تتداخل فيه خطوط الحرب والأمن والسياسة في مشهد لبناني مأزوم. ومع ذلك، ظلوا يواجهون، لأنهم صدّقوا أن الأرض التي حمَوها تستحق، وأن الدم الذي سُفك سيظل شاهدًا على الوفاء، لا على اليأس.
لكن الوفاء الحقيقي لا يكتمل بالدموع وحدها، ولا بالبيانات الرسمية التي سرعان ما تُطوى في الأرشيف. الوفاء هو أن تُروى القصة كاملة، أن يُفتح التحقيق بلا مواربة ولا صفقات، وأن يُكشف كل خيط من خيوط الانفجار الذي خطفهم. فالعدالة وحدها تصون التضحيات من أن تتحوّل إلى مجرّد ذكرى حزينة في ذاكرة مُثقلة بالفواجع.
وراء كل اسم من هؤلاء الأبطال، عائلة تنتظر عودته، وطفل لن ينسى صوته، وأم ستظل تنظر إلى الباب كأن الخطوات قد تعود يومًا. الفقد هنا ليس رقماً في بيان، بل حياة كاملة انكسرت فجأة، ومعها انكسر جزء من الوطن.
ربما لا يستطيع اللبناني اليوم أن يغيّر مسار السياسة أو أن يوقف الانفجارات قبل وقوعها، لكن بإمكانه أن يطالب بالحقيقة، وأن يرفض أن تمر هذه الحوادث كعابري سبيل. فدم الجنود لا يُقايض، ولا يُسعَّر، ولا يُنسى.
إنهم لم يسقطوا عبثًا، بل سقطوا على طريق طويلة بين الألم والأمل، على جسر يمتد من جراح لبنان الكثيرة إلى حلمه المستمر بالنهضة.
سلامٌ على أرواحهم، ورحمة تليق بمن حملوا الوطن على أكتافهم حتى آخر نفس، علّ دمهم يكون جرس إنذار يدفعنا جميعًا لئلا نسير نيامًا نحو الخطر نفسه مرة أخرى.


