الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

فلسطين ليست دولةً قيد التأسيس… بل هي الأصلُ الذي أُنكر

في مشهدٍ يعكسُ سخريةَ الواقعِ الدوليّ، تتسابقُ بعضُ الدولِ هذه الأيامِ إلى “الاعترافِ” بدولةِ فلسطين، وكأنّها وليدةُ اللحظةِ، كيانٌ جديدٌ يُطلبُ له القبولُ بين الكبارِ، بعدَ طولِ غيابٍ. هذا الاعترافُ المتأخّرُ ليسَ إلّا محاولةً لتبييضِ سجلٍّ أخلاقيٍّ دوليٍّ ملوّثٍ بالصمتِ، والتواطؤِ، والنفاقِ السياسيِّ الذي ساهمَ في إطالةِ عمرِ الاحتلالِ، بل ومنحهُ شرعيّةً ضمنيّةً لعقودٍ.
لكنّ الحقيقةَ التي يُصرّ البعضُ على إنكارِها أو تجاهلِها هي أنّ فلسطينَ ليست دولةً طارئةً، ولا فكرةً قيدَ النضوجِ. فلسطينُ هي الأصلُ، هي الأرضُ التي كانت وما زالت، قبل أن يُزرعَ الكيانُ الصهيونيُّ فيها قسرًا، ويُفرضَ على شعبِها تهجيرًا وقتلًا وطمسًا للهويّةِ.
من يتحدّثُ اليومَ عن “حلِّ الدولتينِ”، أو “الاعترافِ بالدولةِ الفلسطينيّةِ”، يتحدّثُ من موقعِ القوّةِ السياسيّةِ لا من موقعِ الحقيقةِ. فالتاريخُ لا يحتاجُ إلى ختمٍ أوروبيٍّ كي يُوثّقَ، ولا إلى توقيعٍ أميركيٍّ كي يُعتمدَ. الحقيقةُ بسيطةٌ: كان هناك وطنٌ اسمُه فلسطينُ، بشعبِه ومدنِه وثقافتِه، فجاء من أراد أن يستبدلَه بوطنٍ آخرَ، قائمٍ على أسطورةٍ دينيّةٍ، وسلاحٍ غربيٍّ، وتواطؤٍ دوليٍّ.
لقد وُلِدت إسرائيلُ عامَ ١٩٤٨ على أنقاضِ أكثرَ من ٥٠٠ قريةٍ فلسطينيّةٍ دُمّرت، وعلى جثثِ آلافِ الشهداءِ الذين قُتلوا في مجازرَ جماعيّةٍ، من ديرِ ياسينَ إلى الطنط… ومن اللدِّ إلى كفرِ قاسمَ. لم تكن تلك حربًا بين جيشين، بل مشروعَ اقتلاعٍ ممنهجٍ لشعبٍ من أرضِه، و”شرعنةَ” إحلالِ جماعةٍ مكانَه، بقوّةِ الإعلامِ والدبلوماسيّةِ والدمِ.
إنّ محاولاتِ تحويلِ القضيّةِ الفلسطينيّةِ إلى ملفٍّ “نزاعٍ حدوديٍّ” أو “مشكلةِ لاجئينَ” أو “صراعٍ أمنيٍّ”، هي محاولاتٌ خبيثةٌ لإفراغِها من مضمونِها الحقيقيِّ، قضيّةِ احتلالٍ استيطانيٍّ عنصريٍّ، قام على محوِ وطنٍ، وسرقةِ تاريخٍ، وقلبِ الحقائقِ.
ومن هنا، فإنّ أيَّ اعترافٍ بفلسطينَ لا يُعدّ منّةً من أحدٍ، بل هو تصحيحٌ لخطيئةٍ كبرى، وليس خدمةً لشعبٍ، بل اعترافًا بظلمٍ تاريخيٍّ وجب أن يُحاسبَ مرتكبوُه، لا أن تُكافأ دولتُهم بمزيدٍ من الدعمِ والغطاءِ السياسيِّ.
إنّ الشعوبَ لا تُقاسُ بشرعيّةٍ تمنحُها العواصمُ الغربيّةُ، بل بحقيقتِها على الأرضِ، بصمودِها، بتاريخِها، وبمقاومتِها. وفلسطينُ، بشعبِها الذي لم ينكسر، وبرمزيّةِ القدسِ التي لم تتراجع، هي الدليلُ الحيُّ على أنّ الأرضَ لا تنسى أهلَها، حتى وإن تواطأ العالمُ كلُّه على دفنِهم أحياءَ.
فلسطينُ ليست دولةً جديدةً تبحثُ عن اعترافٍ…
فلسطينُ دولةٌ مغتصبةٌ، وحقٌّ مسلوبٌ، وأصلٌ أُريد له أن يُمحى من الذاكرةِ.
لكنّ الذاكرةَ الحيّةَ لا تموت… ولو بقيت وحدَها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...