قد تنجح أجهزة الاستخبارات في إخراج أشخاص مطلوبين من أماكن معقدة، لكن الأخطر هو وجود ظروف تسمح بذلك. وهذا ما يطرح تساؤلات كبيرة في ملف خالد العايدي، المتهم بالعمل لمصلحة الموساد الإسرائيلي داخل لبنان.
فبحسب المعطيات الأمنية، لم يكن العايدي مجهولاً أو متوارياً عن الأنظار. فبعد خروجه من الضاحية الجنوبية إثر الغارة الإسرائيلية التي استهدفت المبنى الذي كان موجوداً فيه لدى الحزب، وصل إلى السفارة الأوكرانية في بعبدا، فيما كانت الأجهزة الأمنية اللبنانية تتابع الملف.
وتشير التحقيقات إلى أن العايدي، وهو فلسطيني سوري الأصل يحمل الجنسية الأوكرانية، كان مرتبطاً بخلية أمنية متهمة بجمع معلومات لوجستية دقيقة عن مواقع ومنشآت تابعة للحزب في الضاحية الجنوبية، وأن هذه المعلومات استُخدمت لاحقاً في تحديد أهداف تعرضت لغارات إسرائيلية.
كما أظهرت التحقيقات أنه أشرف على نشاط اللبناني الموقوف محمد صالح الذي تولى عمليات الرصد الميداني، فيما تنقل أفراد الشبكة بين لبنان وبلغاريا حيث تلقوا مبالغ مالية قبل العودة إلى لبنان.
وكشفت التحقيقات أيضاً العثور داخل مستودع في النقاش على مواد تستخدم في تصنيع عبوات وأجهزة معدة لأعمال أمنية خطيرة، إضافة إلى مخطط لإثارة توترات داخلية عبر عمليات كان يفترض نسبها إلى جهة متطرفة. كما تم الكشف عن سيارة مجهزة بسلاح يتم التحكم به عن بعد، فضلاً عن معلومات تحدثت عن مخطط لاستهداف وزير الخارجية الإيراني خلال زيارة إلى بيروت.
وبعد التأكد من وجود العايدي داخل السفارة الأوكرانية، أصدر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم مذكرة بحث وتحرٍ بحقه، ما جعله مطلوباً رسمياً للقضاء اللبناني.
ورغم ذلك، لم تسجل وزارة الخارجية أي تحرك دبلوماسي فاعل يتناسب مع حساسية الملف، فيما جرى التداول بأن العايدي لم يكن موقوفاً لدى الدولة اللبنانية بل لدى الحزب، وهو تبرير اعتبره متابعون غير كافٍ بعد صدور المذكرة القضائية بحقه.
وتشير المعطيات إلى أن العايدي غادر أواخر نيسان مقر السفارة الأوكرانية وانتقل بسيارة إلى جونية، قبل أن تتم عملية إخراجه من لبنان بواسطة قوة إسرائيلية خاصة.
وفي المحصلة، لم يخسر لبنان شخصاً مطلوباً فحسب، بل خسر مصدراً مهماً للمعلومات كان يمكن أن يقود إلى كشف مزيد من الأسماء والارتباطات. ويبقى السؤال: هل نجحت العملية بسبب التخطيط الإسرائيلي فقط، أم أن التقصير الرسمي ساهم أيضاً في فتح الطريق أمامها؟


