الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من هو رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية القادمين في العراق وكيف سيتم اختيارهما؟ وهل تبعث نتائج الانتخابات الأخيرة على التفاؤل؟ وما هي إمكانية إصلاح ما أفسده الاحتلال؟

يُلح عليّ الكثير من الإخوان ان اكتب عن نتائج الانتخابات العراقية الاخيرة، وعن التوقعات المحتملة، وحول من سيكون رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الجديدين. واستجابة لطلب الاعزاء سأحاول ان أبين وجهة نظري المتواضعة في هذه المواضيع. ولكن قبل البدء في الكتابة احب ان اثبت قضيتين مهمتين ومؤلمتين نفسيا في آن واحد، جعلتاني ابتعد عن الكتابة عن العراق. فمنذ ان حدث الاجتياح والاحتلال وتوالت الحكومات التي إعتبرتُها شخصيا، ولا أزال، صنيعة أمريكية إيرانية، وأستطيع ان اقول اسرائيلية ايضا وعشت ما جرى وتعرفت على من أتى، وصلت إلى قناعة بان بلدي الغالي على قلبي قد ذهب إلى المجهول. وهذا الاعتقاد ظهر وتبلور منذ الايام الاولى للاحتلال. وسمعه مني إخوة حضروا معي مؤتمر عقده مركز دراسات الوحدة العربية في 2004، بتنظيم وإشراف الاخ المرحوم الدكتور خير الدين حسيب، الذي كان يعتقد، ومعه آخرون، ان الاحتلال والحكومة التي أتى بها زائلة خلال اسابيع او اشهر قليلة، وطلب من مجموعة صغيرة جدا من النخب العراقية والعربية، وشخصي البسيط منهم، ان نكتب برنامجا شاملا جديدا للدولة القادمة، (وكتبت أنا الورقة المتعلقة بالقضية الكردية، وصدرت كل الدراسات في كتاب في نفس العام – برنامج لمستقبل العراق بعد انهاء الاحتلال).

وقلت آنذاك للمرحوم الدكتور خيري في احدى الاجتماعات، ان الوضع في العراق سيبقى على هذا الحال، وسينتقل من سيء إلى اسوأ، وان ذلك سيستمر إلى 15 عشر عاما وربما اكثر. ولم يكن قولي نوع من أنواع التنبؤ، ولكنه جاء مبنيا على حقيقة ان الأطراف التي احتلت العراق تريده ان يكون هكذا، ممزق ومشرذم، وان الذين أتوا مع الاحتلال يريدونه كذلك غارق في الجهل وبالأفكار الطائفية والعنصرية الشوفينية، كي ينهبوا ثرواته دون ان يعترض عليهم احد. استنكر اغلب المشاركين رايي، واعتبروه متشائما جدا، ولكني بقيت متمسكا بوجهة نظري، التي اثبتت بعد أكثر من 22 عاما انها كانت صحيحة. المسالة الثانية ان كل الأطراف التي طرحت نفسها كقادة للدولة العراقية بعد الاحتلال لم يكن بينهم من يستطيع المرء ان يقول عنه صاحب برنامج نهضوي او اصلاحي او ديمقراطي او طاهر الذيل كي يعول عليه في المرحلة الجديدة، وان 99.9% من القيادات، التي تلي الرئاسات الثلاثة، (وزراء وأعضاء مجالس النواب ومحافظين واعضاء مجالس محافظات ومدراء عامين)، هم من الفاسدين الذين يضعون سرقة اكبر قدر ممكن من اموال وثروات العراق هدفا اولا لهم. ويؤسفني القول ان الحال مازال كذلك منذ ذلك التاريخ، بل واصبح اسوأ، حيث ان الفاسدين اصبحوا ليس فقط مالكين لثروات هائلة تمكنهم من شراء الذمم والأشخاص والتأثير على نتائج الانتخابات، بل امتلكوا مليشيات او فصائل مسلحة تأتمر بأمرهم وقنوات فضائية تروج لهم. وظهرت آثار هذه الحقائق بصورة جلية في الانتخابات الأخيرة، والتي نتج عنها تدوير كل الوجوه الفاشلة السابقة وجعلت منهم القوى المهيمنة على البرلمان.

والآن اصبحت مسالة اختيار رئيس البرلمان ورئيس الجمهوري ورئيس الوزراء موكلة لهم بالكامل. وهذا سبب مضاف لامتناعي عن الكتابة في الشأن العراقي. وأسمح لنفسي ان اكرر رأيا كتبه منذ سنين على صفحات هذه الجريدة العزيزة قلت فيه ان النصر الكبير الذي حققته الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل وبعد ذلك ايران لم يكن متمثلا في احتلال العراق وتدميره، لكن النصر الحقيقي الكاسح تمثل في بث النعرات الطائفية والعنصرية بين مكونات الشعب العراقي. والاسوأ ان الحالة لم تقتصر على السذج والجهلة والمغرضين، بل انتقلت إلى (النخب) التي تعتبر نفسها مثقفة او متعلمة، بل وحتى أبناء العوائل ذات التاريخ الوطني وكذلك الاحزاب العريقة التي كانت تفاخر بمعاداتها للاستعمار والإمبريالية، ومن يشكك في ذلك عليه ان يتابع القنوات الفضائية العراقية والطائفية والعنصرية والتي تقول انها تمثل مكونات الشعب العراقي، او يتابع حركات السياسيين او معارضيهم الذين اصبحت طهران وواشنطن وإسرائيل الجهات التي يلجأون اليها لتثبيت مكانتهم.

لذلك فان التكهن باسم رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء (منصب رئيس البرلمان كان قد حسم منذ ايام وذهب إلى شخص شبه امي وعليه شبهات فساد كثيرة) ليس هو المشكلة، ولكن المشكلة هي هل سيستطيع من سيتم اختيارهم إصلاح الامور في العراق؟

او على الاقل ايقاف عجلة الفساد والسرقة؟ او إصلاح النظام التعليمي الذي اصبح يحرص على منح الشهادات العليا لجهلة بدلا من الحرص على مستوى الطلبة؟ او سيصلح القضاء الذي يسكت عن الفساد ولا يردعه بعقوبات مناسبة؟ او سيحسن من سمعة العراق الخارجية التي ساهم السلك الدبلوماسي الجديد في تدهورها؟ او سيبطل قرارات تعيين سفراء يفتقدون المؤهلات لهكذا منصب؟ او سيعيد النظام الصحي إلى سابق عهده؟ هذا هو الذي يجب ان يسال عنه العراقيون انفسهم. لان ما فائدة رئيس جمهورية يصرف عشرة ملايين دولار على ايفاد له خارج العراق لمدة يومين او ثلاثة، او يقوم بتعيين العشرات من اصدقائه (مستشارين) له برواتب ضخمة وبالدولار او يساهم في تهريب ملايين البراميل من النفط؟

او يمنح اكثر من عشرة من افراد عائلته اكثر من خمسة ملايين دولار لكل فرد لكي يضعها كوديعة كي يحصلوا على اقامة في دولة اوربية؟ او يحتفظ براتب تقاعدي ضخم ومخصصات لأكثر من مائة شخص من حمايته وهو يعيش خارج العراق منذ حوالي 20 عاما؟ او يحصل على عمولة بعشرات الملايين من الدولارات ويشتري بها معملا ضخما في احدى الدول المجاورة؟ او يتقاضى حوالي مليون دولار عن كل عفو يصدره بحق شخص مدان بالإعدام او السجن المؤبد؟ او يستلم راتبا شهريا يكفي لإعالة اكثر من مائة وخمسون عائلة فقيرة، عدا المخصصات التي يمكن بها بناء مدرسة في كل شهر؟ ولهذا اقول اننا يجب ان لا نفكر بمن سيكون رئيسا للوزراء او رئيسا للجمهورية او رئيسا لمجلس النواب، لان التجربة علمتنا ان كل الذين تبوأوا هذه المناصب عادوا إلى العراق وهم لا يملكون شيئا ثم اصبحوا يمتلكون من اصحاب المليارات و لهم املاك في اوروبا والخليج بمئات الملايين من الدولارات.

اما جوابي المباشر للأعزاء الذين يسألون من سيكون رئيس الوزراء او رئيس الجمهورية القادمين فأقول لهم ان الوجوه التي أنتجتها الانتخابات الاخيرة سوف لن تختار إلا من يكون مثلها ويسهل لها فسادها وفساده، وحتى يصل العراقيون (عربا واكراد وتركمانا ويزيديين وكلدو آشوريين وصابئة، حتى لا يزعل احد من الذين اصبحوا يتمسكون بهذه التفاصيل) إلى قناعة وإيمان ان تمسكهم بعراقيتهم ووطنيتهم ووحدة ترابهم الوطني والاعتماد على انفسهم بدلا من الاعتماد على الخارج من اي نوع كان، هو المنقذ الوحيد للعراق ولشعبه ولأجياله القادمة. والى ان يحصل ذلك، بالنضال والتعب فستبقى عمليات تدوير الفاسدين هي السائدة، وسيظهر من الجهلة والساذجين والمنتفعين من يؤيد ويصفق للفاسدين ويعيدهم للمسرح السياسي بالتزوير و(بالديمقراطية المزيفة) التي أتى بها الاحتلال.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...