السبت، 7 مارس 2026
بيروت
14°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

مِنَ المجلسِ الأعلى السُّوريِّ اللُّبنانيِّ… إلى المجلسِ الأعلى اللُّبنانيِّ الإسرائيليِّ؟

منذ أن جُمِّدَ عملُ المجلسِ الأعلى السُّوريِّ اللُّبنانيِّ، بدأت تَلوحُ في الأُفقِ ملامِحُ مرحلةٍ جديدةٍ في العلاقةِ بين بيروتَ ودمشقَ، عنوانُها الظاهرُ “الاستقلالُ الكاملُ”، أمّا باطنُها فـ“الانفكاكُ التدريجيُّ مِن محورِ الممانعةِ” تحتَ ضغطِ الخارجِ. غيرَ أنّ السؤالَ الأعمقَ، والأكثرَ إيلامًا، هو:
هل كان المقصودُ مِن تعليقِ المجلسِ مع سورية تمهيدًا لِوِلادةِ مجلسٍ أعلى آخر… ولكن هذه المرّةَ مع “إسرائيلَ”؟

إنّ مَن يُتابِعُ تفاصيلَ الكواليسِ الدبلوماسيَّةِ، يُدرِكُ أنّ المشهدَ لا يسيرُ في فراغٍ. فكلُّ ما يُطرَحُ اليومَ تحتَ مسمّى “تثبيتِ الاستقرارِ على الحدودِ الجنوبيَّةِ”، أو “ترسيمِ الحدودِ البرِّيَّةِ والبحريَّةِ النهائيَّةِ”، لا ينفصلُ عن رؤيةٍ دوليَّةٍ تَهدِفُ إلى تحويلِ خطوطِ النارِ إلى خطوطِ تواصُلٍ، ولكن مِن البابِ الخلفيِّ، لا مِن بوّابةِ السَّلامِ المُعلَنِ.

إنّ القوى التي تُسمِّي نفسَها اليومَ “سياديَّةً”، وتُهلِّلُ لِفكِّ الارتباطِ بسورية ، لا تُدرِكُ أو لعلّها تُدرِكُ جيّدًا أنّها تُمهِّدُ الطريقَ لِارتباطٍ مِن نوعٍ آخر، ارتباطٍ صامِتٍ ومُغلَّفٍ بالشَّرعيَّةِ الدوليَّةِ.
فبدلًا مِن أن يُسمّى “مجلسًا أعلى لُبنانيًّا إسرائيليًّا”، سيُنشأ كما تُسرِّبُ بعضُ الأوساطِ كهيئةٍ تقنيَّةٍ أو لجنةٍ مُشتركةٍ لِمُتابعةِ تنفيذِ القراراتِ الدوليَّةِ، برعايةِ الأُممِ المُتَّحدةِ والوسيطِ الأَميركيِّ، ورُبَّما بواجهةٍ أُوروبيَّةٍ “مُحايدةٍ”.

لكنّ الحقيقةَ، مَهما تغيَّرت الأسماءُ، تبقى واحدةً:
إنّ أيَّ لجنةٍ دائِمةٍ تجمعُ لُبنانَ و”إسرائيلَ” على طاولةٍ واحدةٍ تحتَ بندِ “التنسيقِ الأمنيِّ أو الاقتصاديِّ” هي عمليًّا بدايةُ تطويع رسميٍّ مُقنَّعٍ، يُمهِّدُ لِتحويلِ الصِّراعِ إلى “إدارةٍ مُشتركةٍ للمصالحِ”، لا إلى صِراعٍ على الحقوقِ والسِّيادةِ.

ومِنَ المُفارقاتِ أنّ الذين يرفعونَ شعارَ “لُبنانَ أوّلًا”، سيكتشفونَ لاحقًا أنّهم جعلوا لُبنانَ آخِرًا في سُلَّمِ القرارِ الوطنيِّ، بعد أن سلَّموا حدودَه وملفّاتِه بيدِ مَن كانوما زال عدوًّا مُعلَنًا، وصارَ اليومَ “جارًا مقبولًا” بحُجَّةِ التهدِئةِ والازدهارِ.

أمّا الشَّعبُ، الذي يعيشُ ويلاتِ الانهيارِ، فقد يُخدَعُ بوهجِ الأرقامِ والمشاريعِ والوعودِ، فيظنُّ أنّ ما يُقدَّمُ له “سَلامٌ اقتصاديٌّ” هو مخرجٌ مِن أزماتِه، بينما هو في جوهرِه فقدانٌ بطيءٌ للهويَّةِ والكرامةِ والسِّيادةِ.

يا مَن تدَّعونَ السِّيادةَ، السِّيادةُ ليست برفعِ الشِّعاراتِ ولا بِمُقاطعةِ دمشقَ “السّابقةِ”، بل بالثَّباتِ على الحقِّ، وبِالجُرأةِ على رفضِ أيِّ وصايةٍ جديدةٍ تُغلِّفُ نفسَها بشعارِ “الاستقرارِ”.
فإذا كان المجلسُ السُّوريُّ اللُّبنانيُّ قد انتهى سياسيًّا، فلا تجعلوا لُبنانَ يدخُلُ طوعًا في مجلسٍ أعلى مع العدوِّ، ولو باسمٍ جديدٍ ومنديلٍ أبيضَ.

إنّ المقاومةَ والدَّولةَ معًا أمامَ امتحانٍ تاريخيٍّ: إمّا التمسُّكُ بالثَّوابتِ الوطنيَّةِ التي حفظت لُبنانَ رغمَ الجراحِ، وإمّا الانزلاقُ نحو “تطويع ناعمٍ” سيجعلُنا أسرى توقيعٍ لم يُعلَن بعدُ.

إحذروا الصَّمتَ، فإنّ ما يُصاغُ في الغُرَفِ المُغلَقةِ اليومَ، سيُعلَنُ غدًا على شكلِ “اتِّفاقٍ تاريخيٍّ” يُقالُ عنه إنّه أنقذَ لُبنانَ، بينما يكونُ قد سلَّمَه رسميًّا إلى يدٍ كانت يومًا تُضرِبُه بالنّارِ.
سيستيقظُ اللُّبنانيُّونَ ذاتَ صباحٍ ليجدوا أنّ الحدودَ التي حمتهم صارت بوّابةَ عبورٍ لِلتِّجارةِ والتطبيعِ، وأنّ المقاومةَ صارت عنوانًا مُحرِجًا يُطلَبُ شطبُه مِنَ القاموسِ السياسيِّ.
وعندها فقط، سيُدرِكُ البعضُ ولكن بعدَ فَواتِ الأوانِ أنّ المجلسَ الأعلى الجديدَ لم يُنشأ لِحمايةِ لُبنانَ… بل لِحُكمِه مِنَ الخارجِ.
فهل ننتظرُ الإعلانَ الرسميَّ؟
أم نكتُبُ نحنُ سُطورَ الرَّفضِ الأخيرةَ قبلَ أن تُكتَبَ الهويَّةُ بأيدٍ أُخرى؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...