لم يكن الشيخ نعيم قاسم يومًا مجرد الرجل الثاني في حزب الله، على الرغم أنه شغل موقع نائب الأمين العام لأكثر من ثلاثة عقود.
كان سياسيًا مخضرمًا، وتربويًا متمكنًا، وإداريًا من الطراز الأول، وإن لم يُعرف عنه انخراط مباشر في الشأن العسكري.
في المجلس الجهادي، حيث تُصنع القرارات الكبرى، برز اسما سيد المقاومة حسن نصر الله وخليفته السيد هاشم صفي الدين.. كركيزتين أساسيتين.
وعليه، كان من الطبيعي أن يتجه مسار القيادة نحو السيد صفي الدين بعد اغتيال السيد نصر الله.
إلا أن قتل السيدهاشم بعد ستةأيام ، فتح الباب أمام مرحلة غير مسبوقة، تولّى فيها الشيخ نعيم قاسم مسؤولية القيادة في أصعب الظروف.
في لحظة كانت كفيلة بانهيار أي تنظيم، وقف الرجل في قلب العاصفة.
ادارياً مميزاً لا علاقة له بالعسكر او الامن ،
منظماً بكفاءة عالية وليس تنظيمياً
، ومن صفته كمنسق ممتاز ، ادار الحزب السياسي في لحظته العسكرية المصيرية ، بالتنسيق الحربي الفعال في ساحة القتال مع حليفته الكبرى ايران، بما جعل هذا التنسيق محل دهشة الاعداء ، والعالم كله صار يتحدث عن قدرة المقاومة في جنوبي لبنان ، على استدراج وسائل الدفاع الصهيونيةالخماسية
، بإشغالها من جنوبي لبنان ، ليفتح المجال للصواريخ الطائرة من ايران نحو فلسطين المحتلةً لتفعل فعلها في الكيان الصهيوني ..
كما تفعل صواريخ ومسيرات المقاومة في توقيت واحد
التنسيق العملي والعملي هي احدى قدرات الشيخ نعيم المميزة
واجه الشيخ قاسم حقل الغام داخلي ، اصغر الغامه ، تكالب خصومه على اعتباره مهزوماً ، من دون ان يفكر خصومه الداخليين لحظة ،ان الطرف الذي يحتل جزءاً من الوطن ، ويقتل من ابنائه ويدمر قراه ويجرف عمرانها، ويهجر نحو مليون لبناني هو هذا الكيان الصهيوني ، الذي يتباهى خصوم في الداخل بأنه انتصر ، وان من حقهم قبض ثمن “انتصار” العدو من ابن الوطن وهي المقاومة واهلها ..و راح جزء من اللبنانيين يبرىء العدو من إجرامه، بل ويفجر هؤلاء ” ببراءة” هذا العدو من كل ما ارتكبه من جرائم، وما يزال .
الالغام الأخرى التي واجهها الشيخ نعيم توزعت بين شماتة ابناء الوطن ، الذين يردد بعضهم عن بيئة المقاومة انها لاتشبهه ، لأن شبابا ً منها تظاهر امام السفارة الاميركية
في عوكر احتجاجاً على الدعم الاميركي غير المسبوق للكيان الصهيوني في ذروة عدوانه الهمجي على الشعب الفلسطيني في غزة …
وبين تكالب صهاينة الداخل مسيحيين ومسلمين ، ومنهم شيعة متعارضين واهمين ، بأنهم ورثة غانمين
نعيم قاسم
القتيل الحي
استحق الشيخ نعيم قاسم صفة القتيل الحي ، برتبة أمين عام وهو الذي
شهد الضربات التي طالت رفاقه باطنان من المتفجرات، وسمع هدير الصواريخ التي غيّبت قيادات الصف الأول، لكنه لم يتراجع بل اقدم حين كان من رفاقه
من غادر الساحة، ومن آثر الصمت أو الاكتفاء بالدعاء،
اختار الشيخ نعيم المواجهة، فحمل على عاتقه حزبًا مثخنًا بالجراح.
لم يكن التحدي عسكريًا فقط، بل كان مركبًا ومعقدًا، وتوزّع على ثلاثة مسارات متزامنة:
أولًا: إعادة بناء القدرة العسكرية
عبر ترميم البنية القتالية، وتجاوز تداعيات فقدان قادة بارزين، وفي مقدمتهم القائد السيد أبو علي الطبطبائي..
صمت الشيخ قاسم وصبر على ما كان يصله من مقارنات ظالمة بينه وبين السيد حسن ،
صمت الشيخ وصمت على ما كان يصله من بخ اخبار اليأس والتيئيس، من عربدة العدو وصمت المقاومة
ثانيًا: إدارة المشهد الداخلي اللبناني
حيث واجه الحزب بيئة سياسية شديدة التعقيد، وتعاملًا داخليًا اعتبره في موقع الضعف أو المأزق.
وقد عكست الاستحقاقات السياسية، من انتخاب رئيس الجمهورية إلى تسمية رئيس الحكومة، حجم الضغوط والتحديات التي أحاطت بالحزب في تلك المرحلة.
ثالثًا: إعادة ترتيب البيت التنظيمي
وهو ملف لا يقل أهمية عن سابقيه، في ظل الخسائر البشرية والضربات المتتالية التي طالت البنية القيادية.
وسط هذه التحديات، اختار الشيخ نعيم خطاب الصبر والثبات.
وعلى الرغم من حملات التشكيك التي صدرت من بعض الداخل، بقي متمسكًا بخطاب هادئ، بعيد عن الانفعال، ومبني على التراكم لا الرد الآني.
ثم جاءت لحظة التحول الكبرى: الحرب على إيران.
خلال ساعات، تبدلت المعادلات، ودخل حزب الله المواجهة في مشهد لم يكن متوقعًا لا من الخصوم ولا من الحلفاء.
ما أعلنه الشيخ نعيم تحوّل إلى واقع.( على الرغم من نقد كبير وجه إلى حزب الله من بعض جمهوره ، بأنه وقد فاجأ العدو فجر الاثنين الرمضاني والناس نيام بالصواريخ الستة ، ، فإن التنسيق بين الحزب وايران اعاد المبادرة إلى المقاومة ، فكان الرد وإيلام العدو متناغماً مع قدرة ايران على الصمود وإيلام مضاعف في الكيان والأميركان مما دفع اكذب سياسي مر في تاريخ البشرية إلى استجداء العالم- وحتى الحلفاء الذين وصفهم بالجبناء -كي يساعدوه على مواجهة القرار الإيراني بمنع مرور سفن الدول التي تساعد العدو عبر مضيق هرمز!!
واخيراً وليس آخراً
استعادت المقاومة زمام المبادرة، وأعادت تثبيت حضورها الميداني.
وبعد أسابيع من المواجهة، عجز العدو عن تحقيق تقدم يُذكر داخل الأراضي اللبنانية، في مشهد يعاكس تجارب سابقة في تاريخ الصراع.
هنا، لم يعد الحديث عن إدارة مرحلة، بل عن تثبيت قيادة.
قيادة استطاعت العبور بالحزب من لحظة فقدان ثقيلة إلى مرحلة استعادة الفعل والتأثير.
هكذا، انتقل نعيم قاسم من موقع الأول بين متساوين
، إلى موقع قائد المقاومة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إضافةً إلى موقعه كأمين عام.


