لا شيء يُضحِّك في السياسةِ الإسرائيليّة بقدْر ما يُضحِك هذا “التحوّلُ المُفاجِئ” لدى بِنْيامين نِتنياهو، الرَّجُلُ الذي قضى عاماً كاملاً يُهدِّد ويقصِف ويُدمِّر، ثُمّ قرّر فجأةً أن يمدّ لِلُبنان “حَبْلَ النَّجاة” عبر القنواتِ الدبلوماسيّة، مُعلِناً أنّ لديه خُطّةً لِنزعِ فتيلِ الانفجار، مانحاً مُهلةً زمنيّةً ذهبيّة، عامانِ لِسحبِ السلاح مِن غزّة ومِن حزبِ الله.
أيُّ سَخاءٍ هذا؟ وأيُّ سَلامٍ مُعلَّبٍ يَحمِلُهُ إلينا الرَّجُلُ الذي بَنى حياتَهُ السياسيّة على الحربِ والخوفِ والأكاذيب؟
ما الذي تَغيّر؟
نِتنياهو لم يَصحُ ضميرُه، ولم يَهدأ قلبُه، ولم يَشعُر بالمسؤوليّة تجاهَ المنطقة.
الذي تَغيّر هو عجزُ إسرائيل.
هو الانهيارُ البطيءُ الذي حاول إخفاءَهُ خَلفَ دُخانِ الغارات.
هو الخوفُ الإسرائيليّ من مُواجهةٍ شاملةٍ مع لُبنان تُطيحُ بما تَبقّى مِن هيبةِ جيشِه.
هو الضغطُ الأميركيّ – الأوروبيّ الذي صار يَهمِسُ في أذنِ نِتنياهو كلَّ يوم: “توقّف… لن تَحتمل أكثر.”
لماذا الآن؟
لأنّ الجبهةَ الشماليّة صارت عبئاً؟ او لأنّ المُستوطنين في الشمالِ يرفُضون العودة؟ او لأنّ الاقتصادَ الإسرائيليّ يَنزِف؟
او ولأنّ “السيّدَ الأمنيَّ القويّ”، كما يُحبّ أن يُصَدِّرَ نفسَه،اكتشف أنّه غيرُ قادرٍ على حَسْمِ شيء؛
لا في غزّة، ولا في لُبنان، ولا حتى داخلَ حُكومتِه المُنقسِمة.
عَرضُهُ لِلُبنان… ليس عرضاً، ولْنكن واضحين:
ما يُسمّيه نِتنياهو “عَرْضاً” ليس أكثر مِن مُخطّطِ ضغطٍ سياسيٍّ هدفُه الحقيقيّ:
تجريدُ لُبنان مِن سِلاحِه، فَرْضُ ترتيباتٍ حدوديّةٍ لِصالحِ إسرائيل، إعادةُ المُستوطنين من دون ثَمَن، مُحاصرةُ حزبِ الله بِحَبْلٍ دوليٍّ مُحكَم.
هو لا يُقدِّمُ سَلاماً، بل يُقدِّمُ وَصفةً لِتفكيكِ عناصرِ القوّةِ اللُّبنانيّة تحتَ عنوانِ “التبريد”.
هل اقتنعَ حقّاً؟
اقتِناعُهُ الوحيد هو أنّ الحربَ لم تَعُد مُربِحة، وأنّ النارَ التي أشعلَها كادت تُحرِقُهُ قبل أن تُحرِقَ سِواه، وأنّ أيَّ مُواجهةٍ شاملةٍ مع لُبنان ستُنسيهِ أحلامَ البقاءِ في السُّلطة، وستَكشِفُه أمامَ الرأي العامّ الإسرائيليّ بصفتهِ الرَّجلَ الذي جَرَّ إسرائيل إلى الهاوية.
لكن هل يَلتزم؟
مَن يُراهِن على التزامِ نِتنياهو يُراهِنُ على السّراب.
الرَّجُلُ الذي نَكَثَ كلَّ أنواعِ التعهّدات مع الفلسطينيّين، ومع الوسطِ السياسيّ الإسرائيليّ، ومع الأميركيّين أنفسِهم، لن يتحوّل فجأةً إلى رَجُلِ دولةٍ يَحترِم كلمتَه.
هو يلتزمُ فقط بمصلحةِ بقائهِ الشخصيّة؛
فإن خَدَمَهُ الاتفاقُ التزم، وإن أضرَّهُ مزّقَهُ في ساعة.
ما يُقدِّمُه نِتنياهو ليس حلاً… بل هُدنةً مُلوَّثةً بالشروط.
ليس سلاماً… بل استراحةَ مُقاتلٍ مُنهَك.
ليس فُرصةً لِلُبنان… بل مِصيدةً تُنصَبُ بغطاءٍ دوليّ.
ومع ذلك…
ثمّة حقيقةٌ واحدة تُقلِقُ إسرائيل وتُرغِمُها على الكلامِ عن “التبريد” لا “الحَسْم”:
قوّةُ لُبنان حين يتصرّف كدولةٍ تعرفُ كيف تُديرُ أوراقَها، لا كأرضٍ يَتَقاطَع عليها الآخرون.
هذه هي المعركة…مَعركةُ وَعيٍ قبل أن تكونَ مَعركةَ سِلاح.
والمعادلةُ التي فَرَضَها لُبنان بكلّ تناقضاتِه جعلت نِتنياهو يُدرِك أنّ الحربَ التي أرادها لن تُشبِه حربَ ٢٠٠٦… بل ستُشبِه نهايتَهُ السياسيّة.
وهنا تَكمُنُ القِصّة كلُّها…


