شهدت باكستان موجة من النشوة العاطفية عقب الأنباء عن توقيع اتفاقية دفاع مع المملكة العربية السعودية. من الباعة المتجولين إلى كبار المسؤولين الحكوميين، يسود اعتقاد يكاد يكون “مسيحانياً “بأن باكستان أصبحت الحارس النهائي للمملكة ــ حامية مكة والمدينة. وتتعالى الأصوات بالدعوة إلى “الدفاع عن الأراضي المقدسة” وسحق “إسرائيل”.
لكن قبل أن ننغمس في الأوهام، حان الوقت للتراجع خطوة والنظر بواقعية إلى الحقائق الإستراتيجية القاسية
1. البنية العسكرية السعودية تعتمد كلياً على الولايات المتحدة
إن المنظومة الدفاعية السعودية ــ من المقاتلات الجوية (F-15 وF-16) إلى منظومات الدفاع الصاروخي “باتريوت”، مروراً بالدبابات والسفن الحربية ــ مبنية بالكامل على المشتريات من أميركا !هذه المنظومات:
تعمل عبر شبكات الأقمار الصناعية والملاحة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة،
تحتوي برمجيات تقيد استهداف أصول أميركية أو تابعة للناتو أو “إسرائيل”
تحتاج باستمرار إلى دعم فني وقطع غيار من واشنطن،
وبالتالي فإن هذه الترسانة بمليارات الدولارات قد تتحول إلى مجرد خردة في أي مواجهة مع قوى غربية أو حلفائها ــ لا بسبب عطل تقني، بل بتصميم مسبق.
2. القوات الباكستانية في السعودية ستواجه القيود نفسها
إذا أرسلت باكستان قواتها إلى الأراضي السعودية، فسوف تعمل ضمن منظومة عسكرية لا تملك السيطرة عليها. وفي حال اندلاع مواجهة مع “إسرائيل” أو أي طرف مرتبط بالناتو، قد تُعطل تلك الأنظمة أو تُغلق أو تفشل عمداً في الاستجابة. وبالتالي فإن الحديث عن قدرة باكستان على “الدفاع” عن المملكة مجرد وهم
3. تركيا ومصر تعلمتا الدرس بالطريقة الصعبة!
تجربتا تركيا ومصر مثال حي على ثمن الارتهان للغرب:
تركيا أُبعدت عن برنامج المقاتلة F-35 بعد شرائها منظومة S-400 الروسية.
مصر واجهت في أكثر من حرب قيوداً على توريد قطع الغيار وعمليات حظر سلاح شلت قدرتها على الاستقلال العملياتي.
وعلى الرغم من هذه الدروس، لا تزال الدولتان غارقتان في شبكة المجمع الصناعي العسكري الغربي.
4. إيران اختارت طريق الاستقلال الإستراتيجي
على النقيض، اتخذت إيران مساراً مختلفاً لتقليص الاعتماد على الغرب:
انتقلت إلى نظام الملاحة الصيني “بايدو”
طورت قدراتها الذاتية في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة
-دمجت منظومات رادار ودفاع جوي صينية وروسية
وبفضل تغطية الأقمار الصناعية الصينية والدعم الروسي، شيّدت إيران بنية دفاعية عصية على “مفتاح الإيقاف” الغربي. هذا هو الاستقلال الحقيقي: صعب، طويل المدى، لكنه في النهاية صامد.
5. دول الخليج أمام طريق طويل نحو الاستقلال
إذا أرادت السعودية أو مصر أو تركيا أو بقية دول الخليج التحرر من الارتهان الغربي، فإن ذلك يتطلب:
إعادة هيكلة كاملة للجيوش
شراء منظومات جديدة من روسيا والصين
إعادة تدريب الكوادر العسكرية بجميع فروعها
إنشاء منظومات لوجستية وصيانة مستقلة
وهو مسار مكلف، طويل ومعقد، يحتاج عقوداً وإرادة سياسية حقيقية.
6. هل سيسمح الغرب بهذا التحول؟
الولايات المتحدة والناتو يمتلكان أوراق ضغط هائلة:
١-قواعد عسكرية في قطر والبحرين والإمارات ..
٢-السيطرة على النظام المالي العالمي (صندوق النقد، سويفت، مجموعة FATF)
النفوذ السياسي عبر صفقات السلاح والضمانات الأمنية والدعم الدبلوماسي
وأي محاولة من الخليج للاتجاه شرقاً ستقابل بعقوبات وضغوط اقتصادية وربما جهود لزعزعة الاستقرار الداخلي.
7. القيود الإستراتيجية
الباكستانية
باكستان نفسها ليست في موقع يمكنها من لعب دور “المنقذ”:
فهي تعتمد على مؤسسات التمويل الغربية
عقيدتها العسكرية وقيادتها العليا تدربت على النمط الغربي
جيشها يستخدم خليطاً من المعدات الأميركية والصينية والمحلية القديمة ــ من دون سيادة كاملة على أي منها
وبالتالي، فإن تصوير باكستان على أنها درع السعودية ليس مبالغاً فيه فحسب، بل غير واقعي إستراتيجياً.
الخلاصة: دعوة إلى sobriety الإستراتيجي
بدلاً من الغرق في الشعارات العاطفية، على باكستان ــ والعالم الإسلامي الأوسع ــ أن يتبنوا واقعية سياسية وعسكرية:
-الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية.
-تقليل الارتهان لأي معسكر واحد
-السعي نحو استقلال إستراتيجي حقيقي
حتى يتحقق ذلك، لن يكون لأي اتفاق دفاعي ــ مهما بدا لامعاً على الورق ــ وزن فعلي على الأرض. آن الأوان أن نتوقف عن الاحتفال
بالأوهام ونبدأ مواجهة الحقائق.


