الجمعة، 24 يوليو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين يُسرَق الخبز من أفواه الفقراء... وعلى أبواب الرحمة

في لبنان، لم تعد المحروقات مجرّد أرقامٍ تُعدَّل في جداول رسمية، بل صارت امتحانًا يوميًا لكرامة الناس. لم يعد البنزين سائلًا يُضخّ في خزّان، بل عبئًا يُسكب فوق صدور العائلات المثقلة أصلًا. وكلّما تحدّثت السلطة عن “تصحيح”، كان التصحيح يقع على ظهور الفقراء. وكلّما بشّرت بـ”توازن”، اختلّ الميزان في بيوت المعدمين.

ثلاثمئة ألف ليرة تُضاف إلى صفيحة البنزين ليست تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل لقمة تُقتطع من مائدة، ودواء يُؤجَّل، وأبًا يقف صامتًا أمام أولاده عاجزًا عن تفسير هذا الانفلات اليومي في الأسعار. إنّها سلسلة نار تمتدّ من المضخّة إلى الرغيف، ومن الطريق إلى الصيدلية، ومن أجرة النقل إلى كلفة كل سلعةٍ على الرف.

وأيُّ قسوةٍ أشدّ من أن يأتي هذا القرار ونحن على أبواب شهر رمضان؟ شهر الرحمة، شهر الإحساس بجوع الآخرين، شهر الزكاة والتكافل. الناس تتهيّأ لاستقبال الهلال بالدعاء والرجاء… فبأيّ شعورٍ تُستقبل قرارات تزيد الجوع جوعًا، والقلق قلقًا؟

كيف ندخل زمن الإمساك عن الطعام، فيما كلفة الخبز ترتفع؟ كيف نتحدّث عن الصفح، والفواتير تتضاعف، وأجرة الطريق تثقل، وكلفة الدواء تُرهق؟ أليس في التوقيت ما يدعو إلى وقفة ضمير؟ إلى لحظة إنصافٍ تُنصت لنبض الشارع المتعب؟

يقولون: نريد تصحيح الأجور. ونقول: هل يُداوى الجرح بالأداة نفسها التي عمّقته؟
المحروقات ليست ترفًا. هي شريان الحياة في بلدٍ أنهكته الأزمات. تدخل في كلفة الرغيف قبل أن يولد في التنور، وفي ثمن الدواء قبل أن يصل إلى يد المريض، وفي كل حركةٍ من حركات هذا الشعب الصابر.

إنّ رفع سعر المحروقات ليس إجراءً تقنيًا باردًا، بل قرارٌ إنساني وأخلاقي بامتياز. إمّا أن تكون مع الناس… أو تكون عليهم. إمّا أن تحمي قدرتهم الشرائية… أو تتركها تتآكل بصمتٍ موجع.

الدولة التي تعجز عن مواجهة الهدر والفساد، لا يجوز أن تجد في جيب الفقير الحلّ الأسهل. والدولة التي تتردّد أمام الامتيازات والكماليات، لا يليق بها أن تتجرّأ على لقمة الفقراء.

أيّها المسؤولون، شهر رمضان ليس موسم خطابات، بل موسم اختبار. والرحمة ليست مفردةً تُتلى، بل قرارًا يُتَّخذ. والناس لا تطلب معجزات، بل تطلب أن تدخل هذا الشهر بكرامة لا بقلق، بسكينة لا بديون، بموائد متواضعة آمنة لا بموائد مهدَّدة.

هذه ليست معركة بنزين… إنّها معركة كرامة. صرخة وجعٍ في وجه الجوع، وسؤالٌ يُطرَح قبل أن يُرفَع الأذان: هل في القلوب متّسع لرحمةٍ بحجم هذا الشعب؟ ارحموا من في الأرض… كي يرحمكم من في السماء…

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

صباح نور القدس (القدس لنا وليس فقط في الاغنية) وصباح نور لبنان الذي نحب، لبنان الكرامة وروح المقاومة، صباح العطاء بلا حدود والاخلاق النبيلة.

اليكم المشهد في وصفه الصافي كما ينقله المقال. يعني بأختصار يريدون لبنان محميةً امريكية صهيونية لبنانٌ يَجلِد نفسه بأيدي ابنائه المتحوّلين طوعاً الى حرس للمُحتل في فلسطين (لمن نسي،...

خاص مجلة " الشراع " الغرّاء

امر عظيم فرضه المولى تبارك و تعالى ان يكون الاعداد بالقوة التي تحمل عدة مواصفات فهي ليست دائما السيف و الرمح والحبال و النبال فقط ، بل هي حمّالة الاوجه و خاصة لهؤلاء الذين تحدوا...

إحذر و تذكّر لعلّ تنفع معك الذكرى!

احذر وانت تهاجم الاسلاميين المتشددين الطائفيين التكفيريين ان لا تهدم منظومة الدين الاسلامي الاخلاقية آخر خط الدفاع الواعي للناس كي لا تتحوّل لسلع ولعملات اجنبية وكي لا تتحول قصور...

الموت الرحيم... الإنسان بين رحمة السماء وتشريعات الأرض

ليس مستغربًا أن تختلف الأمم في رؤيتها للسياسة أو الاقتصاد أو أنماط الحياة، غير أن الخطورة تبلغ ذروتها عندما يمتد الاختلاف إلى أصل الوجود الإنساني، فتغدو الحياة نفسها محلَّ تصويت،...

لماذا طردت إسرائيل سكان القرى السبع الشيعية من فلسطين الى لبنان ؟

في النطاق الابتدائي لأرض فلسطين قرب الحدود اللبنانية كان هناك سبع قرى شيعية عدد سكانها حوالي 3000 نسمة حسب إحصاء 1932 تابعين للواء صفد وهي : المالكية ، قدس ، النبي يوشع ، هونين ،...

عون في واشنطن… لقاء مع ترامب الثلاثاء ورسائل سيادية في توقيت إقليمي ملتهب

في توقيت بالغ الحساسية، وصل رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى واشنطن حاملاً ملفاً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين لبنان والولايات المتحدة. فالزيارة تأتي فيما يقف لبنان عند...