دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس ترامب انزلق إلى “مستنقع استراتيجي” معقد، حيث يواجه ست جبهات متزامنة تبدأ من العمق الإيراني والعراقي، وتمر بالبحر الأحمر ولبنان، وصولاً إلى تهديد مباشر للمنشآت النفطية في الخليج، مما جعل “الخروج الآمن” هدفاً أصعب من “النصر العسكري”.
نزيف الميزانية وجيب المواطن
على الصعيد الاقتصادي، بدأت الحرب تلتهم الموارد بوتيرة مرعبة؛ إذ تُقدر تكلفة العمليات اليومية بنحو مليار دولار، وسط استنزاف حاد في مخزون الذخائر الذكية للبنتاجون. لكن التهديد الحقيقي لترامب لا يكمن في ميزانية الدفاع، بل في “ميزانية المواطن الأمريكي” الذي بدأ يلمس أثر الحرب مباشرة عند محطات الوقود، وهو ما يفسر تراجع الدعم الشعبي للعمليات العسكرية من 62% إلى 51% خلال أيام معدودة.
شلل التجارة وتصاعد المخاطر الإقليمية
ميدانياً، لم تنجح القوة الجوية الأمريكية في شل حركة الخصوم؛ ففي البحر الأحمر يواصل الحوثيون تهديد 12% من التجارة العالمية، مما رفع تكاليف الشحن والتأمين لأرقام قياسية. وفي لبنان والعراق، تحولت الساحات إلى “دوامات إقليمية” تهدد بجر المنطقة إلى حروب أهلية وصراعات طويلة الأمد، مما يثبت أن “للعدو رأياً أيضاً” في رسم مسار الحرب، خلافاً للحسابات الأمريكية الأولية.
الرابح الصامت
خلف الكواليس الدولية، تراقب بكين وموسكو المشهد بارتياح استراتيجي؛ فكل دولار تنفقه واشنطن وكل صاروخ تطلقه في الشرق الأوسط، يعني موارد أقل لمواجهتهما في ملفات أوكرانيا وتايوان. ويرى محللون أن القوى الشرقية تكتفي الآن بجمع البيانات وتحليل التكتيكات الأمريكية المنهكة، بينما تستنزف واشنطن نفسها في “حرب اختيارية” تعيد للأذهان سيناريوهات العراق وأفغانستان.
لا انتصار ولا انسحاب
يجد ترامب نفسه اليوم عالقاً في معضلة كلاسيكية؛ فالانتصار الحاسم يتطلب غزواً برياً بتكلفة تريليونية وهو “انتحار سياسي”، والانسحاب يعني منح إيران نصراً أدبياً واعترافاً بالفشل. ومع استمرار القصف اليومي والنزيف الاقتصادي، يظل السؤال الذي يؤرق أروقة واشنطن غائباً عن الإجابة: كيف يمكن الخروج من هذا المحيط من الرمال المتحركة بأقل خسائر ممكنة؟


