تبدأ الحرب شهرها الثاني، لكن الوقت في مثل هذه الحروب لا يُحتسب بالأيام، بل بكّم القلق المتراكم في صدور الناس، وبعدد الأسئلة التي تتكاثر أكثر من الأجوبة. المنطقة اليوم لا تعيش حربًا تقليدية بقدر ما تعيش “مسار ضغط” ممتد، تُستخدم فيه النار كأداة تفاوض، والتهديد كوسيلة لرسم الحدود.
قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعليق مهلة استهداف منشآت الطاقة في إيران حتى السادس من نيسان لا يبدو تفصيلاً إجرائياً. هو، في عمقه رسالة مزدوجة: إبقاء خيار الضربة الحاسمة مطروحاً مع فتح نافذة ضيقة لتسوية سياسية قد تُحضَّر خلف الكواليس. بين هذين المسارين، تتحرك المنطقة فوق حبل دقيق، حيث أي خطأ في الحساب قد يجرّ الجميع إلى السقوط.
في المقابل، تبدو دول الخليج العربي وكأنها تعيد تعريف مفهوم “الأمن الجماعي”، ولكن بإيقاع حذر. لا اندفاع نحو مواجهة شاملة ، ولا تراخٍ في الجهوزية. تعزيز للدفاعات الصاروخية ومحاولات لإحتواء تهديدات كالحوثيين في مشهد يعكس توازنًا حساساً بين الردع وضبط النفس. والسؤال الجوهري هنا ليس عن الامكانات بل عن القرار: هل ستتجه هذه الدول إلى تفعيل دفاع مشترك فعلي إذا فُرضت المواجهة، أم ستبقى ضمن سياسة الاحتواء المدروس؟
بالتوازي، يُعقد اجتماع رباعي في باكستان لمحاولة كبح التصعيد. لكن تجارب المنطقة تُشير إلى أن طاولات التهدئة غالبًا ما تُقام تحت ضغط النار، لا بديلاً عنها. وإذا أخفقت هذه المساعي فلن تكون الكلفة عسكرية فحسب بل اقتصادية أيضًا تمتد إلى أسواق الطاقة، والاستقرار المالي وحتى الأمن الغذائي في أكثر من دولة.
المواجهات بين إيران وإسرائيل مستمرة، وكل طرف يختبر حدود الآخر من دون الانزلاق حتى الآن إلى حرب شاملة. غير أن الأخطر هو اتساع رقعة الاشتباك: من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن اليمن إلى لبنان. فالتصعيد الحوثي لم يعد تفصيلاً ثانوياً بل جزء من مشهد إقليمي مترابط، تتشابك فيه الجبهات وتتشابه الرسائل.
أما الداخل الأميركي، فلا يبدو منفصلاً عن هذا السياق. الاحتجاجات في عدد من الولايات ضد استمرار الحرب تعكس مزاجًا شعبيًا قلقًا، وقد تتحول إلى عنصر ضغط سياسي على إدارة ترامب خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. في الولايات المتحدة، لم تعد الحروب الخارجية تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بكلفتها السياسية داخلياً.
اما إيران، من جهتها، ترفع منسوب التحدي بإعلان استعدادها لأي عملية برية أميركية في رسالة تتجاوز البعد العسكري إلى النفسي، بهدف ردع الخصم قبل التحرك. وفي تصعيد لافت، يلوّح “الحرس الثوري” باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، ما ينقل الصراع إلى مستوى جديد يطال الرمزية الثقافية والتعليمية، لا العسكرية فقط.
وفي لبنان، تبدو الصورة أكثر هشاشة. يأتي توسيع العمليات في الجنوب بقرار من بنيامين نتانياهو والسعي إلى فرض “منطقة عازلة” على غرار غزة، يطرحان أسئلة مصيرية: هل لبنان مجرد ساحة جانبية في صراع أوسع بين إسرائيل وإيران؟ وهل مصير الجبهة اللبنانية مرتبط حكماً بتداعيات تلك المواجهة؟
الواقع يشير إلى ان الترابط قائم، لكن ليس بشكل كامل. لبنان يدفع كلفة موقعه أكثر مما يعكس قراره. ومع استمرار موجات النزوح من الجنوب والبقاع وحتى بيروت، يتكرس شعور جماعي بأن هذا البلد، الذي أثقلته الحروب، لم يعد يحتمل حربًا جديدة، ولا حتى “نصف حرب”.
وسط كل ذلك، يبرز احتمال بشكل مفارق أن يكون هذا التصعيد نفسه مدخلاً إلى حل. تاريخ المنطقة مليء بمحطات وصلت فيها الأمور إلى حافة الانفجار قبل أن تُفرض التسويات. لكن الفارق اليوم أن هامش الخطأ أضيق، وكلفة الانفجار أعلى بكثير.
إنها رسائل ملغّمة تُبعث في كل اتجاه، ومُهل تُمدّد لا لشراء الوقت فقط، بل لاختبار النيات. وبين الرسالة والمهلة، يقف الناس في لبنان كما في سائر المنطقة على حافة الانتظار، لا يملكون سوى الأمل بأن تنتهي هذه الحرب قبل أن تتحول إلى قدر طويل..


