صودف أنني درست معظم مراحل التعليم الابتدائي والتكميلي والثانوي في تكميلية داغر وثانوية سعيد في عين الرمانة (الشياح). البيئة العامة كما اجواء المدرسة كان يطغى عليها الخطاب اليميني، الكتائبي والشمعوني، وانا منذ تفتح وعيي انتميت الى الشيوعية قلباً وعقلاً وممارسة. ما يقوله الاولاد في المدرسة فيه الكثير من اجواء العائلة والمنزل. مشاعر العداء للعروبة (الناصرية خصوصاً)، والاسلام والفلسطينيين والشيوعية كانت امراً عادياً بالنسبة لكثر من التلاميذ في الصف والملعب.
كانت النظرة الى الذات عند هؤلاء الاولاد تختصر مشاعر التفوق والسخرية من الأخر. الأخر لم يكن ذاتاً انسانية، بل كل ما هو مختلف عنا في محيطنا العربي، خلافاً للغرب الحضاري.
هذه البيئة هي التي غذّت وقود الحرب الاهلية، ودفنت اجيالا من الشباب تحت التراب.
مع هزيمة المشروع السياسي لليمين اللبناني تراجع هذا الخطاب، الا ان عناصره المادية بقيت تعتمل مثل النار تحت الرماد.
في الحرب ضد المقاومة اليوم ينفق الخليجيون مئات الملايين بالتنسيق مع واشنطن لاستنهاض هذا الخطاب العنصري الكامن. ليس جديداً على من يعرف تاريخ اليمين اللبناني وارتباطاته بالغرب ورهاناته على اسرائيل ما نشاهده اليوم على شاشات التلفزة المحلية والعربية.
في الستينات والسبعينات كنا ننظر الى الصراع بوضوح لا لبس فيه: عدو شعوبنا وحركة التحرر الوطنية يتمثل بالتحالف بين الرجعية الداخلية، والرجعية العربية، والامبريالية والكيان الغاصب. اليوم، في المعركة التي يخوضها هذا التحالف لتغيير وجه المنطقة وتكريس التغول الصهيو اميركي، تعود تلك الكلمات والجمل التي كنا نسمعها في الصف وملعب المدرسة، تعود الى مسامعنا على ألسنة جيل جديد في بيئة اليمين التاريخي اللبناني، الجيل الذي يجهل الأثمان التي دفعها من سبقه في هذه الخيارات الانتحارية، وكأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن في ظروف مستجدة، وبنتائج مضمونة: تفريغ الشرق من المسيحيين طالما نخبهم السياسية تكرر خطايا الماضي بالرهان على الغرب واسرائيل.


